الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

105

مختصر الامثل

الهدف الأساس من بعثة الأنبياء : ابتدأ اللَّه سبحانه وتعالى عباده بالنعم فكانت رحمته ولطفه ومغفرته ، ونعمه الكثيرة التي لا تحصى والتي أشير إليها في الآيات السابقة . . . ولأنّ هذه النعم تحتاج إلى تقنين في استعمالها ، ونظم وشرائط لنيل نتائجها المرجوّة ، لذا فإنّه يحتاج إلى قيادة تقوم بمباشرتها والإشراف عليها وإعطاء التوجيهات الإلهية بشأنها ، وهؤلاء القادة يجب أن يكونوا ( قادة إلهيين ) والآية مورد البحث - التي تعتبر من أكثر الآيات القرآنية محتوى - تشير إلى هذا المعنى ، وتبيّن هدف إرسال الأنبياء ومناهجهم بصورة دقيقة ، حيث يقول سبحانه : « لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ » . وبهذه الصورة فإنّ الأنبياء كانوا مسلّحين بثلاث وسائل وهي : « الدلائل الواضحة » ، و « الكتب السماوية » ، و « معيار قياس الحق من الباطل » والجيّد من الرديء . ولا يوجد مانع من أن يكون القرآن ( بيّنة ) أي معجزة ، وهو كذلك كتاب سماوي ومبيّن للأحكام والقوانين ، أي أنّ الأبعاد الثلاثة تصبّ في محتوى واحد وهي موجودة في القرآن الكريم . وعلى كل حال ، فإنّ الهدف من تعبئة هؤلاء الرجال العظام بهذه الأسلحة الأساسية ، هو إقامة القسط والعدل . وأنّ هذه الآية تشير إلى أحد الأهداف العديدة لارسال الرسل . ثم إنّ أي مجتمع إنساني مهما كان مستواه الأخلاقي والاجتماعي والعقائدي والروحي عالياً ، فإنّ ذلك لا يمنع من وجود أشخاص يسلكون طريق العتو والطغيان ، ويقفون في طريق القسط والعدل ، واستمراراً لمنهج الآية هذه يقول سبحانه : « وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ » . إنّ هذه الأسلحة الثلاثة التي وضعت تحت تصرّف الأنبياء هي بهدف أن تكون الأفكار والمفاهيم التي جاء بها الأنبياء فاعلة ومؤثّرة ، وتحقّق أهدافها المنشودة ، فقد وضع الحديد والبأس الشديد في خدمة رسل اللَّه . إنّ تعبير ( أنزلنا ) إشارة إلى الهبات التي تعطى من المقام الأعلى إلى المستوى الأدنى ، وهنا حديث لأمير المؤمنين عليه السلام في تفسيره لهذا القسم من الآية حيث قال : « فإنزاله ذلك : خلقه إيّاه » « 1 » .

--> ( 1 ) الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي 1 / 372 .