الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
103
مختصر الامثل
ومن المؤكّد أنّ جنّة بذلك الإتّساع وبهذه النعم ، ليس من السهل للإنسان أن يصل إليها بأعماله المحدودة ، لذا فإنّ الفضل واللطف والرحمة الإلهية - فقط - هي التي تستطيع أن تمنحه ذلك الجزاء العظيم في مقابل اليسير من أعماله ، إذ إنّ الجزاء الإلهي لا يكون دائماً بمقياس العمل ، بل إنّه بمقياس الكرم الإلهي . ولمزيد من التأكيد على عدم التعلق بالدنيا ، وعدم الفرح والغرور عند إقبالها ، أو الحزن عند إدبارها ، يضيف سبحانه : « مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ » . إنّ المصائب التي تحدث في الطبيعة كالزلازل والسيول والفيضانات والآفات المختلفة ، وكذلك المصائب التي تقع على البشر كالموت وأنواع الحوادث المؤلمة التي تشمل الإنسان ، فإنّها مقدّرة من قبل ومسجّلة في لوح محفوظ . والجدير بالإنتباه أنّ المصائب المشار إليها في الآية هي المصائب التي لا يمكن التخلّص منها ، وتكون مقدّرة وحتمية وغير قابلة للإجتناب ، وليست ناتجة عن أعمال الإنسان . وإلّا فإنّ المصائب والمصاعب التي تكون بسبب ذنوب الإنسان وتسامحه في الطاعات والالتزامات الإلهية ، فإنّ لمواجهتها لابدّ من وضع برنامج صحيح في حياة الإنسان . والمقصود من « اللوح المحفوظ » هو : العلم اللا متناهي للَّهسبحانه ، أو صحيفة عالم الخلقة ونظام العلّة والمعلول ، والتي هي مصداق العلم الفعلي للَّهسبحانه . ولنلاحظ الآن ما هي فلسفة تقدير المصائب في اللوح المحفوظ ، ومن ثم بيان هذه الحقيقة في القرآن الكريم ؟ الآية اللاحقة تزيح هذا الحجاب عن هذا السرّ المهم حيث يقول تعالى : « لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا ءَاتَاكُمْ » . هاتان الجملتان تحلّان - في الحقيقة - إحدى المسائل المعقّدة لفلسفة الخلقة ، لأنّ الإنسان يواجه دائماً مشاكل وصعوبات وحوادث مؤسفة في عالم الوجود ، ويسأل دائماً نفسه هذا السؤال وهو : رغم أنّ اللَّه رحمن رحيم وكريم . . ، فلماذا هذه الحوادث المؤلمة ؟ ! ويجيب سبحانه أنّ هدف ذلك هو : ألا تأسركم مغريات هذه الدنيا وتنشدّوا إليها وتغفلوا عن أمر الآخرة . . . كما ورد في الآية أعلاه . هذه المصائب هي إنذار للغافلين وسوط على الأرواح التي تعيش الغفلة والسبات ، ودلالة على قصر عمر الدنيا وعدم خلودها وبقائها . إنّ هذه المصائب تكسر حدّة الغرور والتفاخر وحيث يقول سبحانه في نهاية الآية :