الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

101

مختصر الامثل

أيضاً الكفر بأسوأ صوره في الجماعة الثانية المقارن للتكذيب بآيات اللَّه . ولأنّ حبّ الدنيا مصدر كل رذيلة ، ورأس كل خطيئة ، فالآية اللاحقة ترسم بوضوح وضع الحياة الدنيا والمراحل المختلفة والمحفّزات والظروف والأجواء التي تحكم كل مرحلة من هذه المراحل ، حيث يقول سبحانه : « اعْلَمُوا إِنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلدِ » . وبهذه الصورة فإنّ « الغفلة » و « اللهو » و « الزينة » و « التفاخر » و « التكاثر » تشكّل المراحل الخمس لعمر الإنسان . ويذكر سبحانه مثالًا لبداية ونهاية الحياة ويجسّد الدنيا أمام أعين الناس بهذه الصورة حيث يقول سبحانه : « كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَيهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا » « 1 » . « كفّار » هنا ليس بمعنى الأشخاص غير المؤمنين ، ولكن بمعنى « الزرّاع » لأنّ أصل الكفر هو التغطية ، وبما أنّ الزارع عندما ينثر البذور يغطّيها بالتراب ، فقد قيل له كافر . « حطام » : من مادة « حطم » بمعنى التكسير والتفتيت ، ويطلق على الأجزاء المتناثرة للتبن ( حطام ) وهي التي تأخذها الرياح باتّجاهات مختلفة . إنّ المراحل التي يمرّ بها الإنسان مدّة سبعين سنة أو أكثر تظهر في النبات بعدّة أشهر ، ويستطيع الإنسان أن يسكن بجوار المزرعة ويراقب بداية ونهاية العمر في وقت قصير . ثم يتطرّق القرآن الكريم إلى حصيلة العمر ونتيجته النهائية حيث يقول سبحانه : « وَفِى الْأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ » . وأخيراً تنهي الآية حديثها بهذه الجملة : « وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ » . « غرور » : في الأصل من مادة « غَرّ » بمعنى الأثر الظاهر للشيء ، ويقال ( غُرّة ) للأثر الظاهر في جبهة الحصان ، ثم أطلقت الكلمة على حالة الغفلة ، حيث إنّ ظاهر الإنسان واعٍ ، ولكنّه غافل في الحقيقة ، وتستعمل أيضاً بمعنى الخدعة والحيلة . « المتاع » : بمعنى كل نوع ووسيلة يستفاد منها ، وبناءً على هذا فإنّ جملة ( الدنيا متاع الغرور ) كما جاءت في قوله تعالى : « وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ » . تعني أنّها وسيلة

--> ( 1 ) « يهيج » : من مادة « هيجان » جاءت هنا بمعنيين الأوّل : جفاف النبات ، والآخر : التحرّك والحيوية ، وقد يرجع هذان المعنيان إلى أصل واحد ، لأنّ النبات عند جفافه يكون مهيّأ للإندثار والانتشار بحركة الرياح .