الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

84

مختصر الامثل

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًا ( 72 ) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 73 ) حمل الأمانة الإلهية أعظم افتخارات البشر : تكمل هاتان الآيتان - اللتان هما آخر آيات سورة الأحزاب - المسائل المهمة التي وردت في هذه السورة في مجالات الإيمان ، والعمل الصالح ، والجهاد ، والإيثار ، والعفة والأدب والأخلاق ، وتبيّن كيف أنّ الإنسان يحتل موقعاً سامياً جدّاً بحيث يستطيع أن يكون حامل رسالة اللَّه العظيمة . تبيّن الآية أوّلًا أعظم امتيازات الإنسان وأهمّها في كل عالم الخلقة ، فتقول : « إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنِ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا » . ممّا لا شك فيه أنّ إباءها تحمل المسؤولية وامتناعها عن ذلك لم يكن استكباراً منها ، بل إنّ إباءها كان مقترناً بالإشفاق ، أي الخوف الممتزج بالتوجه والخضوع . إلّا أنّ الإنسان ، أعجوبة عالم الخلقة ، قد تقدم : « وَحَمَلَهَا الْإِنسنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا » . إنّ الأمانة الإلهية هي قابلية التكامل غير المحدودة والممتزجة بالإرادة والاختيار ، والوصول إلى مقام الإنسان الكامل ، وعبودية اللَّه الخاصة وتقبّل ولاية اللَّه . والمراد من عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال هو المقارنة ، أي أنّها عندما قارنت حجم هذه الأمانة مع ما لديها من القابليات والإستعدادات أعلنت عدم لياقتها وإستعدادها عن تحمّل هذه الأمانة العظيمة . وبهذا فإنّ السماوات والأرض والجبال قد صرخت جميعاً بأنّا لا طاقة لنا بحمل هذه الأمانة . ولأنّ الإنسان كان قد خلق بشكل يستطيع معه تحمّل المسؤولية والقيام بها ، وأن يتقبّل ولاية اللَّه ، ويسير في طريق العبودية والكمال ويتّجه نحو المعبود الدائم ، وأن يطوي هذا الطريق بقدمه وإرادته ، وبالإستعانة بربّه . وهذا لم يكن قبول اتفاق وعقد ، بل كان قبولًا تكوينياً حسب عالم الاستعداد .