الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

69

مختصر الامثل

في الآيتين الأخريين بيان خمس واجبات يرتبط بعضها ببعض ، وتكمل إحداها الأخرى . تقول الآية أوّلًا : « إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا » . فهو من جانب شاهد على أعمال امّته ، لأنّه يرى أعمالهم . وهو من جانب آخر شاهد على الأنبياء الماضين الذين كانوا شهوداً على أممهم : « فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلَاءِ شَهِيدًا » « 1 » . ومن جهة ثالثة فإنّ وجودك بما لك من الصفات والأخلاق والبرامج والتعليمات البنّاءة ، إضافةً إلى تاريخك المشرق وأعمالك المشرّفة ، شاهد على أحقّية دينك ، وشاهد على عظمة اللَّه وقدرته . ثم تطرقت الآية إلى الصفتين الثانية والثالثة فقالت : « وَمُبَشّرًا وَنَذِيرًا » . فهو مبشّر للمحسنين بثواب اللَّه اللامتناهي . . . بالسلامة والسعادة الخالدة . . . بالظفر والتوفيق الملئ بالفخر والاعتزاز . . . ونذير للكافرين والمنافقين من عذاب اللَّه الأليم . . . من خسران كل رأسمال الوجود ، ومن السقوط في شراك التعاسة في الدنيا والآخرة . وأشارت الآية التالية إلى الصفة الرّابعة والخامسة ، فقالت : « وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا » . إنّ كون النبي صلى الله عليه وآله ( سراجاً منيراً ) إشارة إلى المعجزات وأدلة أحقية دعوة الرسول ، وعلامة صدقها ، فهو سراج منير شاهد بنفسه على نفسه . إنّ وجود النبي صلى الله عليه وآله أساس الهدوء والاطمئنان ، ونمو روح الإيمان والأخلاق ، والخلاصة : أساس الحياة والحركة ، وتأريخ حياته شاهد حي على هذا الموضوع . وفي الآيتين الأخريين من الآيات مورد البحث بياناً لخمسة واجبات من واجبات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله فتقول أوّلًا : « وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا » . وهي إشارة إلى أنّ مسألة تبشير النبي صلى الله عليه وآله لا يحدّ بالثواب الإلهي بمقدار أعمال المؤمنين الصالحة ، بل إنّ اللَّه سبحانه يفيض عليهم من فضله بحيث تضطرب المعادلة بين العمل والجزاء تماماً . ثم تناولت الواجب الثاني والثالث ، فقالت : « وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ » . لا شك أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لم يطع الكافرين والمنافقين مطلقاً ، إلّاأنّ هذا الموضوع من

--> ( 1 ) سورة النّساء / 41 .