الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

63

مختصر الامثل

« قانت » : من مادة « القنوت » ، وهي الطاعة المقترنة بالخضوع ، وهذه إشارة إلى الجوانب العملية للإيمان وآثاره . ثم تطرقت إلى أحد أهمّ صفات المؤمنين الحقيقيين ، أي حفظ اللسان فتقول : « وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ » . ولمّا كان الصبر والتحمل والصلابة أمام المشاكل والعقبات هو أساس الإيمان ، ودوره ومنزلته في معنويات الإنسان بمنزلة الرأس من الجسد ، فقد وصفتهم الآية بصفتهم الخامسة ، فقالت : « وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ » . ونعلم أنّ أحد أسوأ الآفات الأخلاقية هو الكبر والغرور وحبّ الجاه ، والنقطة التي تقع في مقابله هي « الخشوع » ، لذلك كانت الصفة السادسة : « وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ » . وإذا تجاوزنا حبّ الجاه ، فإنّ حبّ المال أيضاً آفةً كبرى ، وعبادته والتعلّق به ذلّة خطيرة مرّة ، ويقابله الإنفاق ومساعدة المحتاجين ، لذلك كانت صفتهم السابعة : « وَالْمُتَصَدّقِينَ وَالْمُتَصَدّقَاتِ » . قلنا : إنّ ثلاثة أشياء إذا تخلّص الإنسان من شرّها ، فإنّه سيبقى في مأمن من كثير من الآفات والشرور الأخلاقية ، وهي : اللسان والبطن والشهوة الجنسية ، وقد أشير إلى الأوّل في الصفة الرابعة ، أمّا الشيء الثاني والثالث فقد أشارت إليهما الآية في الصفتين الثامنة والتاسعة ، فقالت : « وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ » . وأخيراً تطرقت الآية إلى الصفة العاشرة التي يرتبط بها الاستمرار في كل الصفات السابقة والمحافظة عليها ، فقالت : « وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ » . إنّ هؤلاء يجب أن يكونوا مع اللَّه ويذكروه في كل حال ، وفي كل الظروف ، وأن يزيحوا عن قلوبهم حجب الغفلة والجهل ، ويبعدوا عن أنفسهم همزات الشياطين ووساوسهم ، وإذا ما بدرت منهم عثرة فإنّهم يهبون لجبرانها في الحال لئلّا يحيدوا عن الصراط المستقيم . ثم تبيّن الآية في النهاية الأجر الجزيل لهذه الفئة من الرجال والنساء الذين يتمتعون بهذه الخصائص العشرة بأنّهم قد « أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا » . فإنّه تعالى قد غسل ذنوبهم التي كانت سبباً في تلوّث أرواحهم ، بماء المغفرة ، ثم كتب لهم الثواب العظيم الذي لا يعرف مقداره إلّاهو .