الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
52
مختصر الامثل
وتجسّد الآية التالية بتصوير أبلغ جبن وخوف هذه الفئة ، فتقول : « يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا » . ثم تضيف الآية : « وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ » . أي : منتشرون في الصحراء بين أعراب البادية ، فيختفون هناك ويتتبعون أخباركم : « يَسَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ » . فيسألون من كل مسافر آخر الأخبار لئلّا تكون الأحزاب قد اقتربت منهم ، وهم مع ذلك يمنّون عليكم بأنّهم كانوا يتابعون أخباركم دائماً . وتضيف الآية في آخر جملة : وعلى فرض أنّهم لم ينهزموا ويفرّوا من الميدان ، بل بقوا معكم ، « وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا » . فلا تحزنوا وتقلقوا لذهابهم ، ولا تفرحوا بوجودهم بينكم ، فإنّهم أناس لا قيمة لهم ولا صفة تحمد ، وعدمهم أفضل من وجودهم . لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( 21 ) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ( 22 ) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ( 23 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 24 ) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ( 25 ) دور المؤمنين المخلصين في معركة الأحزاب : يستمرّ الكلام إلى الآن عن الفئات المختلفة ومخطّطاتهم وأدوارهم في غزوة الأحزاب ، ويتحدّث القرآن المجيد في نهاية المطاف عن المؤمنين الحقيقيين ، ومعنوياتهم العالية ورجولتهم وثباتهم وسائر خصائصهم في الجهاد الكبير . ويبدأ مقدمة هذا البحث بالحديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، حيث كان إمامهم وقدوتهم ، فيقول : « لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا » .