الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

49

مختصر الامثل

الثالثة كذلك ثم خرج وقد صدعها فسأله سلمان عما رأى من البرق فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « أضاءت الحيرة وقصور كسرى في البرقة الأولى ، وأخبرني جبرئيل أنّ امّتي ظاهرة عليها ، وأضاء لي في الثانية القصور الحُمر من أرض الشام والروم ، وأخبرني أنّ امّتي ظاهرة عليها ، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء ، وأخبرني أنّ امّتي ظاهرة عليها ، فأبشروا » فاستبشر والمسلمون . وقال المنافقون : ألا تعجبون يعدكم الباطل ويخبركم أنّه ينظر من يثرب الحيرة ومدائن كسرى وإنّها تُفتَح لكم ، وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا فأنزل اللَّه : « وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا » « 1 » . ثم تتطرق الآية الأخرى إلى بيان حال طائفة أخرى من هؤلاء المنافقين مرضى القلوب ، والذين كانوا أخبث وأفسق من الباقين ، فمن جانب تقول الآية عنهم : واذكر إذ قالت مجموعة منهم للأنصار : يا أهل المدينة ( يثرب ) ليس لكم في هذا المكان موقع فلا تتوقفوا هنا وارجعوا إلى بيوتكم : « وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَامُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا » . وبذلك كانوا يريدون أن يعزلوا الأنصار عن جيش الإسلام . ومن جانب آخر : « وَيَسْتْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا » . « عورة » : مأخوذة من مادة « عار » ، وتقال للشيء الذي يوجب ظهوره العار ، وتقال أيضاً للشقوق والثقوب التي تظهر في اللباس أو جدران البيت ، وكذلك للثغور الضعيفة والنقاط الحدودية التي يمكن اختراقها وتدميرها ، وعلى ما يخافه الإنسان ويحذره ، والمراد هنا البيوت التي ليس لها جدار مطمئن وباب محكم ، ويخشى عليها من هجوم العدو . و « يثرب » : هو الاسم القديم للمدينة قبل أن يهاجر إليها النبي صلى الله عليه وآله ، وبعد هجرته أصبح اسمها تدريجياً « مدينة الرسول » ، ومخفّفها المدينة . وتشير الآية التالية إلى ضعف إيمان هذه الفئة ، فتقول : إنّ هؤلاء بلغ بهم ضعف الإيمان إلى درجة أنّ جيش الكفر لو دخل المدينة من كل جانب وصوب ، واستولى عليها ، ثم دعاهم إلى الشرك والكفر فسوف يقبلون ذلك ويسارعون إليه : « وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سِلُوا الْفِتْنَةَ لَأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا » .

--> ( 1 ) الكامل في التّاريخ لابن الأثير 2 / 70 ( ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب ) .