الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

41

مختصر الامثل

التّفسير اتّبع الوحي الإلهي فقط : إنّ من أخطر المنعطفات والمنحدرات التي تعترض طريق القادة الكبار قضية اقتراحات الصلح والتنازل والوفاق التي تطرح من قبل المخالفين . لقد بذل مشركو « مكة » ومنافقو « المدينة » كل ما في وسعهم ليحرّفوا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله عن خط التوحيد من خلال طرح مقترحات السلام والإتّفاق ، إلّاأنّ أولى آيات سورة الأحزاب نزلت فأنهت مؤامراتهم ، ودعت النبي صلى الله عليه وآله إلى الاستمرار في أسلوبه الحاسم في خط التوحيد بدون أدنى تراجع وتنازل ومسالمة . إنّ هذه الآيات بمجموعها تأمر النبي صلى الله عليه وآله بأربعة أوامر مهمة : الأوّل : في مجال التقوى ، والتي تهيّء الأرضية لكل برنامج آخر ، فتقول : « يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ اتَّقِ اللَّهَ » . إنّ حقيقة التقوى هي ذلك الإحساس الداخلي بالمسؤولية ، ولولا هذا الإحساس فإنّ الإنسان لا يندفع ولا يتحرّك باتّجاه أي برنامج بنّاء . الثاني : نفي ورفض طاعة الكافرين : « وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ » . وتقول الآية في النهاية تأكيداً لهذا الموضوع : « إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا » . فإنّه تعالى حينما يأمرك بعدم إتّباع هؤلاء ، فإنّ ذلك صادر عن حكمته اللامتناهية ، لأنّه يعلم ما أخفي في هذ الإتّباع والمهادنة من المصائب ، الأليمة ، والمفاسد الجمّة . الثالث : نثر بذور التوحيد واتّباع الوحي الإلهي ، فيقول : « وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ » واحذر ف « إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا » . وبناءً على هذا ، فإنّ الواجب الأوّل هو طرد الشياطين من أعماق الروح لتحلّ محلّها الملائكة . ولما كانت هناك مشاكل كثيرة ، وتهديدات ومؤامرات ، ومعوّقات في الاستمرار في سلوك هذا الطريق ، فإنّه تعالى يصدر الأمر الرابع بأن : « وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا » . فلو أنّ الف عدوّ يسعى لقتلك ، فلا تخش ولا تخف منهم لأنّي ناصرك ومعينك . ومع أنّ المخاطب في هذه الآيات هو النبي صلى الله عليه وآله ، إلّاأنّه خطاب لكل المؤمنين ، ولعامة المسلمين في كل عصر وزمان .