الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
34
مختصر الامثل
الهدوء والظلام كل الأرجاء ، ويقلّ خطر التلوّث بالرياء في العبادة . والخلاصة : عند توفّر أفضل الظروف لحضور القلب ، فإنّهم يتّجهون بكل وجودهم إلى معبودهم ، ويخبرونه بما في قلوبهم ، فهم أحياء بذكره ، وكؤوس قلوبهم طافحة بحبّه وعشقه . ثم تضيف : « يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا » . وهنا تذكر الآية صفتين أخريين لهؤلاء هما : « الخوف » و « الرجاء » ، فلا يأمنون غضب اللَّه عزّ وجل ، ولا ييأسون من رحمته ، والتوازن بين الخوف والرجاء هو ضمان تكاملهم وتوغّلهم في الطريق إلى اللَّه سبحانه ، والحاكم على وجودهم دائماً ، لأنّ غلبة الخوف تجرّ الإنسان إلى اليأس والقنوط ، وغلبة الرجاء تغري الإنسان وتجعله في غفلة ، وكلاهما عدوّ للإنسان في سيره التكاملي إلى اللَّه سبحانه . وثامن صفاتهم ، وآخرها في الآية أنّهم : « وَمِمَّا رَزَقْنهُمْ يُنفِقُونَ » . فهم لا يهبون من أموالهم للمحتاجين وحسب ، بل ومن علمهم وقوّتهم وقدرتهم ورأيهم الصائب وتجاربهم ورصيدهم الفكري ، فيهبون منها ما يحتاج إليه الغير . ثم تطرقت الآية التالية إلى الثواب العظيم للمؤمنين الحقيقيين الذين يتمتعون بالصفات المذكورة في الآيتين السابقتين ، فتقول بتعبير جميل يحكي الأهمية الفائقة لثوابهم : « فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » . التعبير ب « فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ » وكذلك التعبير ب « قُرَّةِ أَعْيُنٍ » مبيّن لعظمة هذه المواهب والعطايا التي لا عدّ لها ولا حصر . وفي حديث - رواه البخاري ومسلم جميعاً - عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال : « إنّ اللَّه يقول : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » . وتبيّن الآية التالية المقارنة التي مرّت في الآيات السابقة بصيغة أكثر صراحة ، فتقول : « أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّايَسْتَوُونَ » . لقد جعل « الفاسق » في مقابل « المؤمن » في هذه الآية ، وهذا دليل على أنّ للفسق مفهوماً واسعاً يشمل الكفر والذنوب الأخرى . وتبيّن الآية التالية عدم المساواة هذه بصورة أوسع وأكثر تفصيلًا ، فتقول : « أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى » « 1 » . ثم تضيف الآية بأنّ هذه الجنّات قد أعدّها اللَّه تعالى لاستقبالهم في مقابل أعمالهم الصالحة : « نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » . إنّ التعبير ب « نزلًا » ، والذي يقال عادةً للشيء الذي يهيّئونه لاستقبال وإكرام الضيف ، إشارة لطيفة إلى أنّ المؤمنين يُستقبلون ويُخدمون دائماً .
--> ( 1 ) « المأوى » : من مادة « أوى » بمعنى انضمام شيء إلى شيء آخر ، ثم قيلت للمكان والمسكن والمستقرّ .