الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
28
مختصر الامثل
الولي والشفيع والمعبود . وتشير الآية الأخيرة من الآيات مورد البحث إلى توحيد اللَّه سبحانه في البداية ، ثم إلى مسألة « المعاد » ، وبهذا تكمل هنا فروع وأركان التوحيد الثلاثة التي اتّضحت في الآيات السابقة - ( توحيد الخالقية والحاكمية والعبودية ) - بذكر توحيد الربوبية ، أي تدبير عالم الوجود من قبل اللَّه سبحانه فقط ، فتقول : إنّ اللَّه يدبّر أمور العالم من مقام القرب منه إلى الأرض : « يُدَبّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ » . ثم تضيف : « ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُو أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ » . والمراد من هذا اليوم يوم القيامة . والمراد من الآية هو أنّ اللَّه سبحانه خلق هذا العالم ، ونظّم ودبّر السماء والأرض بتدبير خاصّ ، إلّاأنّه يطوى هذا التدبير في نهاية العالم ، وبعد طيّ هذا العالم سيبدأ إبداع برنامج ومشروع عالمي جديد أوسع ، أي سيبدأ عالم آخر بعد انتهاء هذه الدنيا . ذلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ( 9 ) مراحل خلق الإنسان العجيبة : إنّ الآيات - مورد البحث - إشارة وتأكيد في البداية على بحوث التوحيد التي مرّت في الآيات السابقة ، والتي كانت تتلخص في أربع مراحل : توحيد الخالقية ، والحاكمية ، والولاية ، والربوبية ، فتقول : « ذلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ » . ثم تشير الآية التالية إلى نظام الخلقة الأحسن والأكمل بصورة عامة ، ومقدمة لبيان خلق الإنسان ومراحل تكامله بشكل خاص : « الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ » . وأعطى كل شيء ما يحتاجه . وبتعبير آخر : فإنّ تشييد صرح الخلقة العظيم قد قام على أساس النظام الأحسن ، أي قام على نظام دقيق سالم لا يمكن تخيّل نظام أكمل منه . بعد هذه المقدّمة الآفاقية يدخل القرآن بحث الأنفس ، وكما تحدّث في بحث الآيات