الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
141
مختصر الامثل
فإذا كانوا يتصورون أنّهم أشد قوة من أولئك فهم على اشتباه عظيم ، لأنّ الأقوام السالفة كانت أقوى منهم : « وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً » . إضافةً إلى أنّ الإنسان مهما بلغ من القوة والقدرة ، فإنّ قدرته وقوته لا شيء إزاء قوة اللَّه ، لماذا ؟ لأنّه « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُو مِن شَىْءٍ فِى السَّموَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ » . فهو العليم القدير : « إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا » ، لا يخفى عليه شيء ، ولا يستعصي على قدرته شيء ، ولا يغلبه أحد . وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ( 45 ) لولا لطف اللَّه ورحمته : الآية مورد البحث وهي الآية الأخيرة من آيات سورة فاطر ، وبعد تلك البحوث الحادّة والتهديدات الشديدة التي مرّت في الآيات المختلفة للسورة ، تنهي هذه الآية السورة ببيان اللطف والرحمة الإلهية بالبشر ، تماماً كما ابتدأت السورة بذكر افتتاح اللَّه الرحمة للناس . زيادة على ذلك ، فإنّ الآية السابقة التي تهدّد المجرمين والكفار بمصير الأقوام الغابرين ، تطرح كذلك السؤال التالي ، وهو إذا كانت السنّة الإلهية ثابتة على جميع الطغاة والعاصين ، فلماذا لا يُعاقب مشركو مكة ؟ ! وتجيب على السؤال قائلة : « وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا » . ولا يمنحهم فرصة لإصلاح أنفسهم والتفكّر في مصيرهم وتهذيب أخلاقهم : « مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ » « 1 » . نعم لو أراد اللَّه مؤاخذتهم على ذنوبهم لأنزل عليهم عقوبات متتالية ، صواعق ، وزلازل ، وطوفانات ، فيدمّر المجرمين ولا يبقى أثراً للحياة على هذه الأرض . « وَلكِن يُؤَخّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى » ويعطيهم فرصة للتوبة وإصلاح النفس . هذا الحلم والإمهال الإلهي له أبعاد وحسابات خاصة ، فهو إمهال إلى أن يحلّ أجلهم « فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا » . « نهاية تفسير سورة فاطر »
--> ( 1 ) « دابّة » : من مادة « دبّ » والدبّ والدبيب مشي خفيف ، ويستعمل ذلك في الحيوان وفي الحشرات أكثر ، ويستعمل في كل حيوان وإن اختّصت في التعارف بالخيل .