الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

134

مختصر الامثل

والحاجات البشرية ، لأنّه نازل من اللَّه سبحانه وتعالى الذي يعرف عباده خير معرفة ، وهو البصير الخبير فيما يتعلق بحاجاتهم . « الخبير » : العالم بالبواطن والعقائد والنيات والبُعد الروحي في الإنسان ؛ و « البصير » : العالم بالظواهر والبعد الجسماني للإنسان . الآية التالية تتحدث في موضوع مهم بالنسبة إلى حملة هذا الكتاب السماوي العظيم ، أولئك الذين رفعوا مشعل القرآن الكريم بعد نزوله على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، في زمانه وبعده على مرّ القرون والعصور ، وهم يحفظونه ويحرسونه ، فتقول : « ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا » . والمقصود من « الكتاب » هنا ، « القرآن الكريم » . إنّ « الإرث » يطلق على ما يستحصل بلا مشقّة أو جهد ، واللَّه سبحانه وتعالى أنزل هذا الكتاب السماوي العظيم للمسلمين هكذا بلا مشقّة أو جهد . ثم تنتقل الآية إلى تقسيم مهمّ بهذا الخصوص ، فتقول : « فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ » . إنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد أوكل مهمّة حفظ هذا الكتاب السماوي ، بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله إلى هذه الأمة ، الأمة التي إصطفاها اللَّه سبحانه ، غير أنّ في تلك الأمة مجاميع مختلفة : بعضهم قصّروا في وظيفتهم العظيمة في حفظ هذا الكتاب والعمل بأحكامه ، وفي الحقيقة ظلموا أنفسهم ، وهم مصداق « ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ » . ومجموعة أخرى ، أدّت وظيفتها في الحفظ والعمل بالأحكام إلى حدّ كبير ، وإن كان عملها لا يخلو من بعض الزلّات والتقصيرات أيضاً . وأخيراً مجموعة ممتازة ، أنجزت وظائفها العظيمة بأحسن وجه ، وسبقوا الجميع في ميدان الإستباق .