الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

107

مختصر الامثل

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ( 34 ) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 35 ) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( 36 ) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ( 37 ) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ( 38 ) بعد أن كان الحديث في الآيات السابقة في الغاوين من المستكبرين ، فإنّ جانباً آخر من هذا المبحث تعكسه الآيات أعلاه بطريقة أخرى ، فتقول الآية المباركة : « وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ » . « نذير » : من « الإنذار » وهو الإخبار الذي فيه تخويف ، وإشارة إلى أنبياء اللَّه الذين ينذرون الناس من عذاب اللَّه في قبال الانحرافات والظلامات والذنوب والفساد . « مترفوها » : جمع « مترف » من مادة « ترف » بمعنى « التوسّع في النعمة » و ( المترف ) الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش ، وأترفته النعمة أي أطغته . تشير الآية التالية إلى المنطق الأجوف الذي يتمسك به هؤلاء لإثبات أفضليتهم ولاستغفال العوام فتقول : « وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلدًا » . إنّ اللَّه يحبّنا ، فقد أعطانا المال الوفير ، والقوّة البشرية ، وذلك دليل على لطفه بحقّنا وإشارة إلى مقامنا وموقعنا عنده ، ولذلك لن نعاقب أبداً « وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ » . الآية التي بعدها تردّ بأرقى أسلوب على هذا المنطق الأجوف الخدّاع وتنسفه من الأساس ، وبطريق مخاطبة الرسول صلى الله عليه وآله تقول الآية الكريمة : قل لهم : إنّ ربّي يرزق من يشاء ويقدر لمن يشاء ، وذلك أيضاً طبق مصالح مرتبطة بامتحان الخلق وبنظام حياة الإنسان ، وليس له أي ربط بقدر ومقام الإنسان عند اللَّه سبحانه وتعالى : « قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ » . وعليه فلا يجب اعتبار سعة الرزق دليلًا على السعادة ، وقلّته على الشقاء ، « وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ » . طبعاً أكثر الجهّال المغفّلين هم كذلك .