الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
103
مختصر الامثل
التحقّق من وضع الجميع ، والتفريق بين الحق والباطل ومجازاة كل فريق طبق مسؤوليته ، فيقول تعالى ، قل لهم بأنّ اللَّه سوف يجمعنا في يوم البعث ، ويحكم بيننا بالحق ، ويفصل بعضنا عن بعض ، حتى يعرف المهتدون من الضالين ، ويبلغ كل فريق بنتائج أعماله . « قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقّ » . وإذا كنتم اليوم ترون أنّكم مخلوطون بعضكم البعض ، وكلّاً يدّعي بأنّه على الحق وبأنّه من أهل النجاة ، فإنّ هذا الوضع لن يدوم إلى الأبد ، ولابدّ أن يأتي يوم التفريق بين الصفوف ، فربوبية اللَّه اقتضت فصل « الطيب » من « الخبيث » و « الخالص » من « المشوب » و « الحق » عن « الباطل » في النهاية . ويستقرّ كل منهما في مكانه اللائق . فكّروا الآن ماذا ستعملون في ذلك اليوم ، وفي أي صفّ ستقفون ، وهل أحضرتم إجابة لمساءلة اللَّه في ذلك اليوم ؟ وفي آخر الآية يضيف ليؤكّد حتمية ذلك التفريق فيقول : « وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ » . هذان الاسمان - وهما من أسماء اللَّه الحسنى - أحدهما يشير إلى قدرة اللَّه تعالى على عملية فصل الصفوف ، والآخر إلى علمه اللامتناهي ، إذ إنّ عملية تفريق صفوف الحق عن الباطل لا يمكن تحقّقها بدون هاتين الصفتين . واستخدام كلمة « الربّ » في الآية أعلاه إشارةً إلى أنّ اللَّه هو المالك والمربّي للجميع ، وذلك ممّا يقتضي أن يكون برنامج مثل ذلك اليوم معدّاً ، وهي إشارة لطيفة إلى إحدى دلائل « المعاد » . « فتح » : كما يشير الراغب في مفرداته ، الفتح إزالة الإغلاق والإشكال . وذلك ضربان : أحدهما : يدرك بالبصر كفتح الباب ونحوه ، وكفتح القفل ، والغلق والمتاع ؛ والثاني : يدرك بالبصيرة كفتح الهم وهو إزالة الغمّ ، وذلك ضروب : أحدها : في الأمور الدنيوية كغمّ يُفرج وفقر يزال بإعطاء المال ونحوه ، والثاني : فتح المستغلق من العلوم ، . . . إلى أن يقول : و « فتح القضية فتاحاً » فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق عنها » . وعليه فإنّ استخدام هذه المفردة هنا لأنّ الحكم والقضاء يتمّ أيضاً هناك ، فضلًا عن الفصل والتفريق بينهما الذي هو أحد معاني كلمة « فتح » - ومجازاة كل بما يستحق . في الآية الأخيرة من هذه الآيات والتي هي عبارة عن الأمر الخامس للرسول صلى الله عليه وآله يعود القرآن إلى الحديث مرّة أخرى في مسألة التوحيد التي ابتدأ بها ليختمه بها . يقول تعالى : « قُلْ أَرُونِى الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاءَ » .