الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

88

مختصر الامثل

ما يقصده هؤلاء من سؤالهم هو قولهم : لو اعترفنا بقدرة الخالق على إعادة بعث الإنسان من التراب من جديد ، فإنّ هذا يبقى مجرّد وعد لا ندري متى يتحقق ، إذا كان سيحصل هذا في آلاف أو ملايين السنين القادمة فما تأثيره في يومنا هذا . . . إنّ المهم أن نتحدّث عن الحاضر لا عن المستقبل ! ويجيب القرآن بقوله : « قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا » . إنّ يوم المعاد - طبعاً - قريب ، لأنّ عمر العالم والحياة على الأرض ، مهما طالت ، فإنّها في قبال الحياة الأبدية تعتبر لا شيء ، إذ هي مجرّد لحظات سريعة وعابرة وسرعان ما تنتهي . إضافة إلى ذلك ، فإنّ القيامة إذا كانت في تصوراتنا المحدودة بعيدة فإنّ مقدمة القيامة والتي هي الموت ، تعتبر قريبة منا جميعاً ، لأنّ الموت هو القيامة الصغرى ( إذا مات الإنسان قامت قيامته ) ، صحيح أنّ الموت لا يمثل القيامة الكبرى ، ولكنه علامة عليها ومذكّر بها . في الآية التي بعدها إشارة إلى بعض خصوصيات القيامة في قوله تعالى : « يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ » . أي : إنّ بعثكم يكون يوم يدعوكم من القبور فتمتثلون لأمره طوعاً أو كرهاً ، والآية - بالطبع - تتحدث عن خصوصية يوم القيامة لا عن موعد القيامة . في ذلك اليوم ستظنون أنّكم لبثتم قليلًا في عالم ما بعد الموت ( البرزخ ) وهو قوله تعالى : « وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا » . إنّ هذا الإحساس سيطغى على الإنسان في يوم القيامة ، وهو يظن أنّه لم يلبث في عالم البرزخ إلّاقليلًا ، بالرغم من طول الفترة التي قضاها هناك ، وهذه إشارة إلى أنّ حياة البرزخ لا تعتبر في مدتها شيئاً في قبال عالم الخلود الأخروي . وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً ( 53 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ( 54 ) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً ( 55 ) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ( 56 ) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً ( 57 )