الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

80

مختصر الامثل

ثالثاً : الحكم الآخر الذي تشير إليه الآية التي بعدها ، هو احترام دماء البشر ، وتحريم قتل النفس حيث تقول : « وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ » . إنّ الإسلام يحاسب على أقل أذى ممكن أن يلحقه الإنسان بالآخرين ، فكيف بقضية القتل وإراقة الدماء ؟ ! وهنا نستطيع أن نقول - باطمئنان - : إنّنا لا نرى أيّ شريعة غير الإسلام أعطت هذه الحرمة الاستثنائية لدم الإنسان ، بالطبع هناك حالات ينتفي معها احترام دم الإنسان ، كما لو قام بالقتل أو ما يوجب إنزال العقوبة به ، لذلك فإنّ الآية بعد أن تُثبت حرمة الدم كأصل ، تشير للاستثناء بالقول : « إِلَّا بِالْحَقّ » . إنّ حرمة دم الإنسان في الإسلام لا تختص بالمسلمين وحسب ، بل تشمل غير المسلمين أيضاً من غير المحاربين ، والذين يعيشون مع المسلمين عيشة مُسالمة ، فإنّ دماءهم - أيضاً - وأعراضهم وأرواحهم مصونة ويحرم التجاوز عليها . تشير الآية بعد ذلك إلى إثبات حق القصاص بالمثل لولي القتيل فتقول : « وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَانًا » . ولكن في نفس الوقت ينبغي لولي المقتول أن يلتزم حدّ الإعتدال ولا يسرف « فَلَا يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا » . إذ ما دام ولي الدم يتحرّك في الحدود الشرعية فإنّه سيكون مورداً لنصرة اللَّه تعالى . والنهي عن الإسراف تشير إلى واقع كان سائداً في الجاهلية ، واليوم أيضاً يمكن مشاهدة نماذج لها ، فحين يُقتل فرد من قبيلة معينة ، فإنّها تقوم بهدر الكثير من الدماء البريئة من قبيلة القاتل . أو أن يقوم أولياء الدم بقتل أناس أبرياء أو الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم . رابعًا : الآية التي بعدها تشير إلى حفظ مال اليتيم ، والملاحظ أنّ الآية استخدمت نفس أسلوب الآية التي سبقتها ، فلم تقل : لا تأكلوا مال اليتيم وحسب ، وإنّما قالت : « وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ » . وفي هذا التعبير تأكيد على حرمة مال اليتيم . ولكن قد تكون هذه الآية حجة لبعض الجهلاء الذين سيتركون مال اليتامى يُهدر ويكون عرضة للحوادث بدون أن يكون عليه قيّم ، لذلك استثنت بقوله : « إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ » . وبناء على هذا الاستثناء يمكن التصرف بأموال اليتامى بشرط حفظ هذه الأموال ، وتنميتها وتكثيرها . وهذا الوضع يستمر إلى أن يبلغ اليتيم سن الرشد ويستطيع فكرياً واقتصادياً أن يكون قيّماً على نفسه وأمواله « حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ » .