الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

73

مختصر الامثل

أمام هذا اللبس ، وتمنع هذا الظن ، عندما تقول : « كَلَّا نُّمِدُّ هؤُلَاءِ وَهؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبّكَ » لتضيف بعدها بقليل : « وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبّكَ مَحْظُورًا » . هذه النعم هي تعبير عن مقام الرحمانية الإلهية التي تشمل فيوضاتها جميع الناس ، المؤمن والكافر ولكن هناك نعم لا تحصى وراء ذلك تختص بالمؤمنين والمحسنين دون غيرهم . الآية التي بعدها تشير إلى أصل مهم في هذا الخصوص وتقول : كما أنّ السعي في هذه الدنيا متفاوت ، وتتفاوت معه الأجور ، فكذلك الأمر في الآخرة ، ولكن التفاوت الدنيوي محدود ، لأنّ الدنيا هي نفسها محدودة ، وأمّا الآخرة - ولكونها غير محدودة - فإنّ تفاوتها غير محدود ، إذ يقول تعالى : « انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْأَخِرَةِ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا » . هل الدنيا والآخرة تقعان على طرفي نقيض ؟ إنّنا نرى في كثير من الآيات القرآنية مدحاً وتمجيداً للدنيا وبإمكاناتها المادية ، ولكن ، وبرغم الأهمية الكبرى التي تختص بها النعم المادية ، فإنّ القرآن الكريم استخدم تعابير أخرى تحقّرها وتحطّ منها بقوة . هذه المعاني المزدوجة إزاء النعم والمواهب المادية ، يمكن ملاحظتها أيضاً في الأحاديث والروايات الإسلامية . إنّه إذا تمّت الاستفادة من مواهب الدنيا وعطاياها التي تُعتبر من النعم الإلهية ؛ ويعتبر وجودها ضرورياً في نظام الخلق والوجود ، وتمّت الاستفادة في سعادة الإنسان الأخروية وتكامله المعنوي ، فإنّ ذلك يعتبر أمراً جيّداً ، وتمتدح معه الدنيا ، أمّا إذا اعتبرناها هدفاً لا وسيلة ، وأبعدناها عن القيم المعنوية والإنسانية ، عندها سيُصاب الإنسان بالغرور والغفلة والطغيان والبغي والظلم . لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا ( 22 ) وَقَضَى رَبُّكَ أَنْ تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ( 24 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 )