الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

71

مختصر الامثل

إضافة إلى ذلك ، فإنّ التعبير في الآية الكريمة ينطوي على إشارة مهمة ، هي أنّ أغلب المفاسد الاجتماعية تنبع من المترفين ، أصحاب الأموال ، البعيدين عن اللَّه تعالى ، والذين يعيشون حياةً مترفة بعيدة عن الشرع مملوءة بالأهواء والمفاسد . الآية التي بعدها تشير إلى نماذج بهذا الخصوص ، على أنّها أصل عام ، وقاعدة سارية ، إذ تقول : « وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ » وفقاً لهذه القاعدة والسنّة ، ثم تضيف بعد ذلك : « وَكَفَى بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا » . أي : إنّ ظلم وذنوب فرد أو مجموعة لا يمكنها أن تكون خافية على العين البصيرة التي لا تنام لرب العالمين . أمّا لماذا أكّدت الآية على القرون من بعد نوح عليه السلام ؟ فقد يكون ذلك بسبب أنّ الحياة قبل نوح عليه السلام كانت حياة بسيطة ، والاختلافات التي تقسّم المجتمعات إلى مُترف ومستضعف ، كانت بسيطة وضئيلة ، لذلك فالعذاب الإلهي لم يشملهم بكثرة . مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) كُلًّا نُمِدُّ هؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ( 21 ) طلّاب الدنيا والآخرة : لقد تحدّثت الآيات السابقة عن الذين عصوا أوامر اللَّه تعالى ، وكيفية هلاكهم ، لذا فإنّ هذه الآيات - التي نحن بصددها الآن - تشير إلى سبب التمرّد على شريعة اللَّه ، والعصيان لأوامره ، وهذا السبب هو حبّ الدنيا ، إذ يقول تعالى : « مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا » . « العاجلة » : تعني النعم الزائلة ، أو الحياة الزائلة . والظريف في الآية ، أنّها لا تقول : إنّ من يسعى وراء الدنيا ، ويجعلها كل همّه ، يحصل على كل ما يريد ، بل قيّدت ذلك بشرطين هما : أوّلًا : سيحصل على جزء مما يريده ؛ وأنّ هذا الجزء هو المقدار الذي نريده نحن ، أي « مَا نَشَاءُ » .