الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
68
مختصر الامثل
منفعته الواقعية ، وهكذا بنتيجة تعجّله واندفاعه المضطرب يَضيع عليه وجه الحقيقة ، ويتغير مضمونها بنظره ، فيقود نفسه باتجاه الشر والأعمال السيئة الضارّة . وهكذا ينتهي الإنسان - نتيجة سوء تشخيصه واضطراب مقياسه في رؤية الخير والحقيقة - إلى أن يطلب من اللَّه الشر ، تماماً كما يطلب منه الخير ، وأن يسعى وراء الأعمال السيئة ، كسعيه وراء الأعمال الحسنة ، وهذا الاضطراب وفقدان الموازين هو أسوأ بلاء يصاب به الإنسان ويحول بينه وبين السعادة الحقيقية . في محاسن البرقي عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إنّما أهلك الناس العجلة ، ولو أنّ الناس تثبّتوا لم يهلك أحد » . طبعاً هناك باب في الروايات الإسلامية بعنوان « تعجيل فعل الخير » ففي الكافي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : « إنّ اللَّه يحبّ من الخير ما يعجّل » . إنّ العجلة المذمومة هي التي تكون أثناء البحث والدراسة لمعرفة جوانب العمل المختلفة ، أمّا السرعة والعجلة الممدوحتان فهما اللتان يكونان بعد اتخاذ قرار الشروع بالعمل ، والتصميم على التنفيذ ، لذلك نقرأ في الروايات : « سارعوا في عمل الخير » . أي : بعد أن يثبت أنّ هذا العمل خير فلا مجال للتأخير والتسويف . الآية التي بعدها تتحدث عن تعاقب الليل والنهار ومنافع هذا التعاقب ، لتجعل من هذا الشاهد مثالًا على معرفة اللَّه والتمعّن بآياته ، والمثال أيضاً يفيد معنى التأمل والهدوء ويدعو إلى محاذرة التعجّل والتسرّع . الآية تقول أوّلًا : « وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ » . ثم : « فَمَحَوْنَا ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً » . ولنا في ذلك هدفان : الأوّل : « لّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبّكُمْ » حيث تنطلقون نهاراً في الكسب والعمل والمعاش مستثمرين العطايا الإلهية ، وتنعمون ليلًا بالراحة والهدوء والاستقرار . والهدف الثاني فهو : « وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ » لكي لا تبقى شبهة لأحد « وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْنهُ تَفْصِيلًا » . وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 )