الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

65

مختصر الامثل

إنّ التوحيد في العمل هو واحدٌ من معالم أصل التوحيد ، وهو علامة على التوحيد العقائدي . الآية تقول : لا تتكىء على أحد سوى اللَّه . ومن أجل أن تحرّك الآية التالية عواطف بني إسرائيل وتحفّزهم لشكر النعم الإلهية عليهم ، خصوصاً نعمة نزول الكتاب السماوي ، فإنّها تضع لهم نموذجاً للعبد الشكور فتقول : « ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ » . ولا تنسوا : « إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا » . والآية تخاطب بني إسرائيل بأنّهم أولاد من كان مع نوح ، وعليهم أن يقتدوا ببرنامج أسلافهم وآبائهم في الشكر لأنعم اللَّه . بعد هذه الإشارة تدخل الآيات إلى تاريخ بني إسرائيل الملئ بالأحداث ، فتقول : « وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِى إِسْرَإِيلَ فِى الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِى الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا » . والمقصود من « الأرض » في الآية - بقرينة الآيات الأخرى - هي أرض فلسطين المقدسة التي يقع المسجد الأقصى المبارك في ربوعها . الآية التي تليها تفصّل ما أجملته من إشارة إلى الإفسادين الكبيرين لبني إسرائيل والحوادث التي تلي ذلك على أنّها عقوبة إلهية فتقول : « فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولهُمَا » وإرتكبتم ألوان الفساد والظلم والعدوان « بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ » . وهؤلاء القوم المحاربون الشجعان يدخلون دياركم للبحث عنكم : « فَجَاسُوا خِللَ الدّيَارِ » . وهذا الأمر لا مناص منه : « وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا » . ثم تشير بعد ذلك إلى أنّ الألطاف الإلهية ستعود لتشملكم ، وسوف تعينكم في النصر على أعدائكم ، فتقول : « ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا » . وهذه المنّة واللطف الإلهي بكم على أمل أن تعودوا إلى أنفسكم وتصلحوا أعمالكم وتتركوا القبائح والذنوب لأنّه : « إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا » . إنّ الآية تعبّر عن سنّة ثابتة ، إذ إنّ محصلة ما يعمله الإنسان من سوء أو خير تعود لنفسه . تقول الآية في وصف المشهد الثاني أنّه حين يحين الوعد الإلهي سوف تغطّيكم جحافل من المحاربين ويحيق بكم البلاء إلى درجة أنّ آثار الحزن والغم تظهر على وجوهكم : « فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْأَخِرَةِ لِيَسُوا وُجُوهَكُمْ » . بل ويأخذون منكم حتى بيت المقدس : « وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ » .