الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

59

مختصر الامثل

عملية تحريك الوجدان الإنساني ، وذلك لما للموعظة الحسنة من أثر دقيق وفاعل على عاطفة الإنسان وأحاسيسه ، وتوجيه مختلف طبقات الناس نحو الحق . 3 - « وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ » : الخطوة الثالثة تختص بتخلية أذهان الطرف المخالف من الشبهات العالقة فيه والأفكار المغلوطة ليكون مستعداً لتلقي الحق عند المناظرة . وفي ذيل الآية الأولى ، يقول القرآن : « إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » . فالآية تشير إلى أنّ وظيفتكم هي الدعوة إلى طريق الحق بالطرق الثلاثة المتقدمة ، أمّا مسألة من الذي سيهتدي ومن سيبقى على ضلاله ، فعلم ذلك عند اللَّه وحده سبحانه . 4 - إنصبّ الحديث في الأصول الثلاثة حول البحث المنطقي والأسلوب العاطفي والمناقشة المعقولة مع المخالفين ، وإذا حصلت المواجهة معهم ولم يتقبّلوا الحق وراحوا يعتدون ، فهنا يأتي الأصل الرابع : « وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ » . 5 - « وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّابِرِينَ » . في تفسير العياشي : إنّ الآية نزلت يوم أحد لمّا رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ما صنع بحمزة بن عبد المطلب ( فشقوا بطنه وأخذت هند بنت عتبة كبده فجعلت تلوكه وجدعوا أنفه وأذنه ) قال : « اللّهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان على ما أرى » . ثم قال : « لئن ظفرت لأمثلن ولأمثلن » . - وعن ابن عباس قال قال رسول اللَّه : « لأمثلن بسبعين رجلًا منهم » . - فأنزل اللَّه : « وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّابِرِينَ » . قال فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « أصبر أصبر » . ربّما كانت تلك اللحظة من أشد لحظات حياة النبي صلى الله عليه وآله ولكنّه تمالك زمام أمور نفسه واختار الطريق الثاني ، طريق العفو والصبر . 6 - « وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ » : والصبر إنّما يكون مؤثّراً وفاعلًا إذا قصد به رضوانه تعالى ولا يلحظ فيه أيّ شيء دون ذلك . 7 - وإذا لم ينفع الصبر في التبليغ والدعوة إلى اللَّه ، ولا العفو والتسامح ، فلا ينبغي أن يحلّ اليأس في قلب المؤمن أو يجزع ، بل عليه الاستمرار في التبليغ بسعة صدر وهدوء أعصاب أكثر ، ولهذا يقول القرآن الكريم في الأصل السابع : « وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ » . 8 - « وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ » : فمهما كانت دسائس العدو العنيد واسعة ودقيقة وخطرة فلا ينبغي لك ترك الميدان ، لظنّك أن قد وقعت في زواية ضيّقة وحصار محكم ، بل