الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

56

مختصر الامثل

ثانياً : إنّ الآية لا تحدّد الموضوع بالتوبة القلبية والندم ، بل تؤكّد على أثر التوبة من الناحية العملية وتعتبر الإصلاح مكمّلًا للتوبة ، لتبطل الزعم القائل بإمكان مسح آلاف الذنوب بتلفظ « أستغفر اللَّه » . إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 121 ) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 122 ) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 123 ) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 124 ) كان إبراهيم لوحده امّة : كما قلنا مراراً بأنّ هذه السورة هي سورة النعم ، وهدفها تحريك حس الشكر لدى الإنسان بشكل يدفعه لمعرفة خالق وواهب هذه النعم ، والآيات تتحدث عن مصداق كامل للعبد الشكور للَّه ، ألا وهو « إبراهيم » بطل التوحيد ، وأوّل قدوة للمسلمين عامة وللعرب خاصة ، والآيات تشير إلى خمس من الصفات الحميدة التي كان يتحلّى بها إبراهيم عليه السلام . 1 - « إِنَّ إِبْرهِيمَ كَانَ أُمَّةً » . إنّ « امّة » اسم مفعول يطلق على الذي تقتدي به الناس وتنصاع له . كان إبراهيم عليه السلام منبعاً لوجود امّة ولهذا أطلق القرآن عليه كلمة « امّة » . نعم فقد كان إبراهيم أمّة وكان إماماً عظيماً ، وكان رجلًا صانع امّة ، وكان منادياً بالتوحيد وسط بيئة اجتماعية خالية من أيّ موحّد . 2 - صفته الثانية في هذه الآيات : أنّه كان « قَانِتًا لِلَّهِ » . 3 - وكان دائماً على الصراط المستقيم سائراً على طريق اللَّه ، طريق الحق « حَنِيفًا » . 4 - « وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » بل كان نور اللَّه يملأ كل حياته وفكره ، ويشغل كل زوايا قلبه . 5 - وبعد كل هذه الصفات ، فقد كان « شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ » . وبعد عرض الصفات الخمسة يبيّن القرآن الكريم النتائج المهمة لها ، فيقول : 1 - « اجْتَبهُ » للنبوة وإبلاغ دعوته .