الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

54

مختصر الامثل

لا يفلح الكاذبون : بعد أن تحدثت الآيات السابقة عن النعم الإلهية ومسألة شكر النعمة ، تأتي الآيات أعلاه لتتحدث عن آخر حلقات الموضوع وتطرح مسألة المحرمات الواقعية وغير الواقعية لتفصل بين الدين الحق وبين البدع التي أحدثت في دين اللَّه ، وتشرع بالقول : « إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » « 1 » . إنّ تلوّث هذه المواد الثلاث بات اليوم ليس خافياً على أحد ، فالميتة مصدر لأنواع الجراثيم ، والدم من أكثر مكوّنات البدن تقبّلًا للتلوّث بالجراثيم ، وأمّا لحم الخنزير فيعتبر سبباً للإصابة بالكثير من الأمراض الخطرة . أمّا فلسفة تحريم ما يذبح لغير اللَّه فليست صحية ، بل هي أخلاقية ومعنوية . فمن جهة يكون التحريم حرباً على الشرك وعبادة الأصنام ، ومن جهة أخرى يكون دعوة إلى خالق هذه النعم . ويستفاد من المحتوى العام للآية والآيات التالية أنّ الإسلام يوصي بالإعتدال في تناول اللحوم ، فلا يكون المسلم كالذين حرّموا على أنفسهم تناول اللحم واكتفوا بالأغذية النباتية ، ولا كالذين أحلّوا لأنفسهم أكل اللحوم أيّاً كانت كأهل الجاهلية والبعض ممن يدّعي التمدّن في عصرنا الحاضر ، ممن يجيزون أكل كل لحم ( كالسحالي والسرطان وأنواع الديدان ) . وفي نهاية الآية سياقاً مع الأسلوب القرآني ، ذُكرت الحالات والموارد الاستثنائية ، يقول : « فَمَنِ اضْطُرَّ » . كأن يكون في صحراء ولا يملك غذاء ؛ « غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » . « باغ » أو الباغي : ( من البغي ) بمعنى « الطلب » ويأتي هنا بمعنى طلب اللذة أو تحليل ما حرّم اللَّه . و « عاد » أو العادي : ( من العدو ) أي « التجاوز » ويأتي هنا بمعنى أكل المضطر لأكثر من حد الضرورة . وتأتي الآية التالية لتطرح موضوع تحريم المشركين لبعض اللحوم بلا سبب أو دليل ، والذي تطرّق القرآن إليه سابقاً بشكل غير مباشر ، فتأتي الآية لتطرحه صراحة حيث

--> ( 1 ) « اهِلّ » : من الإهلال ، مأخوذُ من الهلال ، بمعنى إعلاء الصوت عند رؤية الهلال ، وباعتبار أنّ المشركين كانوا إذا ذبحوا حيواناتهم للأصنام صرخوا عالياً بأسماء أصنامهم ، فقد عبّر عنه ب « اهِلَّ » .