الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

52

مختصر الامثل

وتأتي الآية الأخيرة لتقدّم تذكيراً عاماً بقولها : « يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا » لتنقذها من العقاب والعذاب . ولكن . . . لا فائدة من كل ذلك . . . « وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَايُظْلَمُونَ » . وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ( 113 ) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 114 ) الذين كفروا فأصابهم العذاب : قلنا مراراً : إنّ هذه السورة هي سورة النِعم ، النعم المادية والمعنوية وعلى كافة الأصعدة ، وقد مرّ ذكر ذلك في آيات متعددة من هذه السورة المباركة ، وتصوّر لنا الآيات أعلاه عاقبة الكفر بالنعم الإلهية على شكل مثل واقعي . ويبتدأ التصوير القرآني بضرب مثل لمن لم يشكر نعمة اللَّه عليه : « وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً » لا تضطر إلى هجرة إجبارية ، بل تعيش في أمن وأمان ( مطمئنة ) ومضافاً إلى ذلك « يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ » . ولكن حالها قد تبدّل في النهاية « فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ » . وإضافة لاستكمال نعم اللَّه المادية عليهم ، فقد أضاف لهم من النعم المعنوية ما يستقر به حالهم في الدنيا ، ويدام لهم ذلك في الآخرة ، فبعث بين ظهرانيهم رسل وأنبياء وأرسلت إليهم التعاليم السماوية « وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ » . فكانت النتيجة أن : « فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ » . وإنّكم حين تطّلعون على هذه النماذج الواقعية من الأمم السابقة ، فاعتبروا بها ولا تنهجوا طريق أولئك الغافلين الظالمين من الكافرين بأنعم اللَّه « فَكُلُوا مِمَّا رَزقَكُمُ اللَّهُ حَللًا طَيّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ » . يحتمل حدثت هذه القصّة لجمع من بني إسرائيل في منطقة ما ، وأنّهم ابتلوا بالقحط والخوف على أثر كفرانهم بنعم اللَّه . ومما يؤيد ذلك ما روي - في العياشي - عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « إنّ قوماً كان في بني