الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

43

مختصر الامثل

سبحانه للمسلمين الذين بايعوه : لا يحملنّكم قلة المسلمين وكثرة المشركين على نقض البيعة فإنّ اللَّه حافظكم . أي : اثبتوا على ما عاهدتم عليه الرسول وأكدتموه بالأيمان . التّفسير الوفاء بالعهد دليل الإيمان : في هذه الآيات قسماً آخر من تعاليم الإسلام المهمة ( الوفاء بالعهد والأيمان ) . يقول أوّلًا : « وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ » . ثم يضيف : « وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ » . إنّ معنى « عهد اللَّه » هو : العهود التي يبرمها الناس مع اللَّه تعالى ( وبديهي أنّ العهد مع النبي عهد مع اللَّه أيضاً ) ، وعليه فهو يشمل كل عهد إلهي وبيعة في طريق الإيمان والجهاد وغير ذلك . أمّا مسألة « الأيمان » ( جمع يمين ، أي : القسم ) التي وردت في الآية - والتي عرض فيها المفسرون آراء كثيرة - فلها معنى واسع ، ويتّضح ذلك عند ملاحظة مفهوم الجملة حيث إنّه يشمل العهود التي يعقدها الإنسان مع اللَّه عزّ وجل ، بالإضافة إلى ما يستعمله من أيمان في تعامله مع خلق اللَّه . وحيث إنّ الوفاء بالعهد أهم الأسس في ثبات أيّ مجتمع كان ، تواصل الآية التالية ذكره بأسلوب يتّسم بنوع من اللوم والتوبيخ ، فتقول : « وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا » « 1 » . والآية تشير إلى ( رايطة ) تلك المرأة التي عاشت في قريش زمن الجاهلية ، وكانت هي وعاملاتها يعملن من الصباح حتى منتصف النهار في غزل ما عندهن من الصوف والشعر ، وبعد أن ينتهين من عملهن تأمرهن بنقض ما غزلن ، ولهذا عرفت بين قومها ب ( الحمقاء ) . ثم يضيف القرآن الكريم قائلًا : « تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ » « 2 » . أي : لا تنقضوا عهودكم مع اللَّه بسبب أنّ تلك المجموعة أكبر من هذه فتقعوا في الخيانة والفساد . واعلموا : « إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ » .

--> ( 1 ) « أنكاث » : جمع ( نكث ) على وزن ( قسط ) بمعنى حلّ خيوط الصوف والشعر بعد برمها ، وتطلق أيضاً على اللباس الذي يصنع من الصوف والشعر . ( 2 ) « الدّخل » : ( على وزن الدغل ) ، بمعنى الفساد والتقلب ومنها اخذ معنى ( الداخل ) .