الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

38

مختصر الامثل

وهي من الخفّة بحيث « تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ - أي : رحيلكم - وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ » . بل وجعل لكم : « وَمِن أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ » . فاستعمال المصطلحين « أَثَاثًا وَمَتَاعًا » على التوالي يمكن أن يشير إلى هذا المعنى : إنّكم تستطيعون أن تهيئوا من أصوافها وأوبارها وأشعارها وسائل بيتية كثيرة تتمتعون بها . الظلال ، المساكن ، الأغطية : ويشير القرآن الكريم إلى نعمة أخرى بقوله : « وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِللًا وَجَعَلَ لَكُم مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا » . « الأكنان » : جمع ( كن ) بمعنى وسائل التغطية والحفظ ، ولهذا فقد أطلقت على المغارات وأماكن الاختفاء وفي الجبال . وكأنّ ذكر نعمة « الظلال » و « أكنان الجبال » بعد ذكر نعمة « المسكن » و « الخيام » في الآية السابقة ، للإشارة إلى أنّ طوائف الناس لا تخرج عن إحدى ثلاثة . . . واحدة تعيش في المدن والقرى وتستفيد من بناء البيوت لسكناها ، وأخرى تعيش الترحال والتنقل فتحمل معها الخيام ، وثالثة أولئك الذين يسافرون وليس معهم مستلزمات المأوى . . . ولم يترك الباري جلّ شأنه المجموعة الثالثة تعيش حالة الحيرة من أمرها ، بل في طريقهم الظلال والمغارات لتقيهم . وبعد ذكر القرآن الكريم لنعمة الظلال الطبيعية والصناعية ، ينتقل لذكر ملابس الإنسان فيقول : « وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ » ، وثمّة ألبسة أخرى تستعمل لحفظ أبدانكم في الحروب « وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ » . « السرابيل » : جمع « سربال » بمعنى الثوب من أيّ جنس كان . فإنّ فائدة الألبسة لا تنحصر في حفظ الإنسان من الحر والبرد ، بل تُلبس الإنسان ثوب الكرامة وتقي بدنه من الأخطار الموجّهة إليه . وفي ذيل الآية يقول القرآن مذكّراً : « كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ » . أي : تطيعون أمره . وطبيعي جدّاً أن يفكر الإنسان بخالق النعم ، خصوصاً عند تنبّهه للنعم المختلفة التي تحيط بوجوده . وبعد ذكر هذه النعم الجليلة ، يقول عزّ وجلّ أنّهم لو اعرضوا ولم يسلموا للحق فلا تحزن ولا تقلق ، لأنّ وظيفتك ابلاغهم : « فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلغُ الْمُبِينُ » .