الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
35
مختصر الامثل
ولذا يجيبهم القرآن الكريم قائلًا : « فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ » التي هي من صنع أفكاركم المحدودة ومن صنع موجودات ( ممكنة الوجود ) ومليئة بالنواقص . فاللَّه الذي دعاكم لأن تدعوه وتناجوه ، وفتح لكم أبواب دعائه ليل نهار ، لا ينبغي أن تشبّهوه بجبار مستكبر لا يتمكن أي أحد من الوصول إليه ودخول قصره إلّابعض الخواص « فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ » . ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( 75 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 ) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 77 ) مثلان للمؤمن والكافر : ضمن التعقيب على الآيات السابقة التي تحدثت عن : الإيمان ، الكفر ، المؤمنين ، الكافرين والمشركين ، تشخّص الآيات مورد البحث حال المجموعتين ( المؤمنين والكافرين ) بضرب مثلين حيّين وواضحين . يشبّه المثال الأوّل المشركين بعبد مملوك لا يستطيع القيام بأيّة خدمة لمولاه ، ويشبّه المؤمنين بإنسان غني ، يستفيد الجميع من إمكانياته . . . « ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّايَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ » . أمّا ما يقابل ذلك فالإنسان المؤمن الذي يتمتع بأنواع المواهب والرزق الحسن : « وَمَن رَّزَقْنهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا » والإنسان الحر مع ما له من إمكانيات واسعة « وَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا » . فاحكموا : « هَلْ يَسْتَوُونَ » . قطعاً ، لا . . . فإذن : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » الذي يكون عبده حرّ وقادر ومنفق ، وليس الأصنام التي يكون عبّادها أسرى وعديمو القدرة ومحددون « بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَايَعْلَمُونَ » . ثم يضرب مثلًا آخر لعبدة الأصنام والمؤمنين والصادقين ، فيشبّه الأوّل بالعبد الأبكم الذي لا يقدر على شيء ، ويشبّه الآخر بإنسان حر يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم :