الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

23

مختصر الامثل

إنّ للمسلمين هجرتين ؛ الأولى : كانت محدودة نسبياً ( هجرة جمع من المسلمين على رأسهم جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة ) ، والثانية : الهجرة العامة للنبي صلى الله عليه وآله والمسلمين من مكة إلى المدينة . وظاهر الآية يشير إلى الهجرة الثانية ، كما يؤيّد ذلك شأن النزول . وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( 43 ) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) اسألوا إن كنتم لا تعلمون : هذه الآية يعود إلى بيان المسائل السابقة فيما يتعلق بأصول الدين من خلال إجابته لأحد الإشكالات المعروفة ؛ حين يتقوّل المشركون : لماذا لم ينزل اللَّه ملائكة لإبلاغ رسالته ؟ أو يقولون : لِم لم يجهّز النبي صلى الله عليه وآله بقدرة خارقة ليجبرنا على ترك أعمالنا ؟ فيجيبهم اللَّه عزّ وجل بقوله : « وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ » . نعم . فإنّ أنبياء اللَّه جميعهم من البشر ، وبكل ما يحمل البشر من غرائز وعواطف إنسانية ، حتى يحس بالألم ويدرك الحاجة كما يحس ويدرك الآخرون . في حين أنّ الملائكة لا تتمكن من إدراك هذه الأمور جيّداً . ثم يضيف القول ( تأكيداً لهذه الحقيقة ) : « فَسَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُمْ لَاتَعْلَمُونَ » . « الذكر » : بمعنى العلم والاطلاع ؛ و « أهل الذكر » : له من شمولية المفهوم بحيث يستوعب جميع العالمين والعارفين في كافة المجالات . فالآية مبيّنة لأصل إسلامي يتعيّن الأخذ به في كل مجالات الحياة المادية والمعنوية ، وتؤكّد على المسلمين ضرورة السؤال فيما لا يعلمونه ممن يعلمه ، وأن لا يورطوا أنفسهم فيما لا يعلمون . وعلى هذا فإنّ « مسألة التخصص » لم يقررها القرآن الكريم ويحصرها في المسائل الدينية بل هي شاملة لكل المواضيع والعلوم المختلفة ، ويجب أن يكون من بين المسلمين علماء في كافة التخصصات للرجوع إليهم . ثم تقول الآية التالية : « بِالْبَيّنَاتِ وَالزُّبُرِ » . « البيّنات » : جمع بيّنة ، بمعنى الدلائل الواضحة ، ويمكن أن تكون هنا إشارة إلى معاجز وأدلة إثبات صدق الأنبياء في دعوتهم ؛ و « الزبر » : جمع زبور ، بمعنى الكتاب .