الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
12
مختصر الامثل
ثم يتطرق القرآن الكريم مباشرة إلى نعمة الأنهار ، لما بين الجبال والأنهار من علاقة وثيقة حيث تعتبر الجبال المخازن الأصلية للمياه ، فيقول : « وَأَنْهَارًا » . ثم يقطع القرآن الكريم الوهم الحاصل عند البعض من أنّ الجبال حاجز بين ارتباط الأراضي فيما بينها بالإضافة لكونها مانعاً رهيباً أمام حركة النقل ، فيقول : « وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » . ثم يضيف قائلًا : « وَعَلمتٍ » . لأنّ الطرق لوحدها لا يمكنها أن توصل الإنسان لمقصده دون وجود علامات فارقة ومميزات شاخصة يستهدي بها الإنسان لسلك ما يوصله لمأربه ، ولذا ذكر هذه النعمة . ومن تلك العلامات : شكل الجبال ، الأودية ، الممرات ، الارتفاع والإنخفاض ، لون الأرض والجبال وحتى طبيعة حركة الهواء . وأمّا في حال عدم تشخيص هذه العلامات بسبب ظلمة الليل في أيّ من سفر البر أو البحر ، فقد جعل اللَّه تعالى علامات في السماء تعوّض عن علامات الأرض . وقد فسّرت « النجم » برسول اللَّه صلى الله عليه وآله و « العلامات » بالأئمة عليهم السلام في روايات كثيرة وردت عن أهل البيت عليهم السلام وفي بعضها فسّر « النجم » و « العلامات » كلاهما بالأئمة عليهم السلام وكل ذلك يشير إلى التفسير المعنوي لهذه الآيات . في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « النجم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، والعلامات الأئمة عليهم السلام » . وبعد أن بيّن القرآن كل هذه النعم الجليلة والألطاف الإلهية الخفية ، راح يدعو الوجدان الإنساني للحكم في ذلك « أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّايَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ » . وكما اعتدنا عليه من القرآن في أسلوبه التربوي الهادف المؤثر ، فقد طرح مسألة المحاججة بصيغة سؤال يترك الجواب عنه في عهدة الوجدان الحي للإنسان . وفي نهاية المطاف ، يفنّد الباري سبحانه مسألة حصر النعم الإلهية بما ذكر ، بقوله : « وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَاتُحْصُوهَا » . ونواجه في هذا المقام سؤالًا وإستفساراً : كيف إذن نؤدّي حق الشكر للَّه ؟ و . . ألسنا مع ما نحن فيه ، في زمرة الجاحدين ؟