الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
113
مختصر الامثل
أيدينا تقف على هذا الموضوع بشكل آخر . في البداية تقول : « ذلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بَايَاتِنَا وَقَالُوا أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا » . وبعد تعجّبهم من المعاد الجسماني واعتبارهم ذلك أمراً غير ممكن ، يقول القرآن بأسلوب واضح ومباشر وبلا فصل : « أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ » . وعلى هؤلاء أن لا يعجّلوا فإنّ القيامة وإن تأخّرت ، إلّاأنّها سوف تتحقق بلا ريب : « وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّارَيْبَ فِيهِ » . ولكن هؤلاء الظالمين والمعادين مستمرون على ما هم فيه رغم سماعهم هذه الآيات : « فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كَفُورًا » . وحيث إنّهم كانوا يصرخون ويصرّون على أن لا يكون النبي من البشر حسداً من عند أنفسهم وجهلًا وضلالًا ، وقد منعهم هذا الحسد والجهل من التصديق بإمكانية أن يعطي اللَّه كل هذه المواهب لإنسان ، لذا فإنّ الخالق جلّ وعلا يخاطبهم بقوله : « قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ » . ثم يقول : « وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا » . « قتور » : من « قَتَرَ » على وزن « قتل » وهي تعني الإمساك في الصرف ، وبما أنّ ( قتور ) صيغة مبالغة فإنّها تعني شدّة الإمساك وضيق النظر . المعاد الجسماني : الآيات أعلاه من أوضح الآيات المرتبطة بإثبات المعاد الجسماني ، فالمشركين كانوا يعجبون من إمكانية عودة الحياة إلى العظام النخرة ، والقرآن يجيبهم بأنّ القادر على خلق السماوات والأرض ، لديه القدرة على جمع الأجزاء المتناثرة للإنسان وأن يهبها الحياة مرّة أخرى . كما إنّ الإستدلال بالقدرة الكلية للخالق عزّ وجل في إثبات المعاد ، هو واحد من الأدلة التي يذكرها القرآن مراراً ويعتمد عليها كثيراً . وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً ( 101 ) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ( 102 ) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ( 103 ) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ( 104 )