الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
110
مختصر الامثل
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ( 94 ) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولًا ( 95 ) ذريعة عامة : الآيات السابقة تحدّثت عن تذرّع المشركين - أو قسم منهم - في قضية التوحيد ، أمّا الآيات التي نبحثها فإنّها تشير إلى ذريعة عامة في مقابل دعوة الأنبياء ، حيث تقول : « وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا » . هل يمكن التصديق بأنّ هذه المهمة والمنزلة الرفيعة تقع على عاتق الإنسان ، ثم - والكلام للمشركين - ألم يكن الأولى والأجدر أن تقع هذه المهمة وهذه المسؤولية على عاتق مخلوق أفضل كالملائكة - مثلًا - كي يستطيعوا أداء هذه المهمة بجدارة . . . إذ أين الإنسان الترابي والرسالة الإلهية ؟ ! إنّ هذا المنطق الواهي الذي تحكيه الآية على لسان المشركين لا يخصّ مجموعة أو مجموعتين من الناس ، بل إنّ أكثر الناس وفي امتداد تأريخ النّبوات قد تذرّعوا به في مقابل الأنبياء والر سل . القرآن الكريم أجاب هؤلاء جميعاً في جملةٍ قصيرة واحدة مليئة بالمعاني والدلالات ، قال تعالى : « قُل لَّوْ كَانَ فِى الْأَرْضِ مَلِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا » . يعني أنّ القائد يجب أن يكون من سنخ من بعث إليه ، ومن جنس أتباعه ، فالإنسان لجماعة البشر ، والملك لجماعة الملائكة . ودليل هذا التجانس والتطابق بين القائد وأتباعه واضح ؛ فمن جانب يعتبر التبليغ العملي أهم وظيفة في عمل القائد من خلال كونه قدوة وأسوة ، وهذا لا يتمّ إلّاأن يكون القائد من جنسهم ، يمتلك نفس الغرائز والأحاسيس ، ونفس مكوّنات البناء الجسمي والروحي الذي يملكه كل فرد من أفراد جماعته . من جانب آخر ينبغي للقائد أن يدرك جميع احتياجات ومشاكل أتباعه كي يكون قادراً على علاجهم ، والإجابة على أسئلتهم ، لهذا السبب نرى أنّ الأنبياء برزوا من بين عامة الناس .