الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

105

مختصر الامثل

« نأى » : مشتقة من « نأي » وهي على وزن « رأي » وهي بمعنى الابتعاد ، وعند إضافة كلمة « بجانبه » إليها يكون المعنى التكبر والغرور والتزام المواقف المعادية . ويمكن الاستفادة من مجموع هذه الجملة أنّ الأشخاص الدنيويين يصابون بالغرور عند مجيء النعم ، بحيث إنّهم ينسون واهب ومعطي هذه النعم ، ولا يقتصر الأمر على النسيان وحسب ، بل ينتقل إلى الاعتراض والتكبّر وعدم الالتفات للخالق . جملة « مَسَّهُ الشَّرُّ » تشير إلى أدنى سوء يصيب الإنسان . والمعنى أنّ هؤلاء من الضعف وعدم التحمل بحيث إنّهم ينسون أنفسهم ويغرقون في دوّامة اليأس بمجرد أن تصيبهم أبسط مشكلة . الآية الثانية تخاطب الرسول صلى الله عليه وآله فتقول : « قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ » . فالمؤمنون يطلبون الرحمة والشفاء من آيات القرآن الكريم ، والظالمون لا يستفيدون من القرآن سوى مزيد من الخسران ، أمّا الأفراد الضعفاء فيصابون بالغرور في حال النعمة ، ويصابون باليأس في حال ظهور المشاكل . . . هؤلاء جميعاً يتصرفون وفق أمزجتهم ، هذه الأمزجة التي تتغير وفق التربية والتعليم والأعمال المتكررة للإنسان نفسه . وفي هذه الأحوال جميعاً فإنّ هناك علم اللَّه الشاهد والمحيط بالجميع وخاصه بالأشخاص المهتدين : « فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا » . « شاكلة » : في الأصل مشتقة من « شكل » وهي تعني وضع الزمام والرباط للحيوان . و ( شكال ) تقال لنفس الزمام ؛ وبما أنّ طبائع وعادات كل إنسان تقيّده بصفات معيّنة لذا يقال لذلك « شاكلة » . إنّ الشاكلة تطلق على كل عادة وطريقة ومذهب وأسلوب يعطي للإنسان اتجاهاً معيناً . لذا فإنّ العادات والصفات التي يكتسبها الإنسان بتكرار الأعمال اختيارياً وإرادياً ، وكذلك الإعتقادات التي يقتنع بها ويعتمدها بسبب الاستدلال أو التعصب لرأي معين يطلق عليها كلها كلمة « شاكلة » . وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ( 85 ) ما هي الروح ؟ تبدأ هذه الآية في الإجابة على بعض الأسئلة المهمة للمشركين ولأهل الكتاب ، إذ تقول : « وَيَسَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » .