الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

97

مختصر الامثل

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 165 ) في هذه الآية التي هي آخر الآيات من سورة الأنعام إشارة إلى أهمية مقام الإنسان ومكانته في عالم الوجود لتكميل الأبحاث الماضية في مجال تقوية دعائم التوحيد ، ومكافحة الشرك . لهذا قال تعالى في مطلع كلامه : « هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلئِفَ الْأَرْضِ » . إنّ الإنسان الذي هو خليفة اللَّه في أرضه ، والذي سُخّرت له كل منابع هذا العالم وصدر الأمر بحكومته على جميع الموجودات من جانب اللَّه تعالى ، لا يجوز أن يسمح لنفسه بالسقوط إلى درجة السجود للجمادات . ثم أشار سبحانه إلى اختلاف المواهب والاستعدادات في المواهب البدنية والروحية لدى البشر ، والهدف من هذا الاختلاف والتفاوت ، فيقول : « وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا ءَاتَاكُمْ » من المواهب المتنوعة والمتفاوتة ويختبركم بها . ثم تشير في خاتمة الآية الحاضرة إلى حرية الإنسان في اختيار طريق السعادة وطريق الشقاء نتيجة هذه الاختبارات والإبتلاءات ، إذ يقول : « إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ » . فإنّ ربك سريع العقاب مع الذين يفشلون في هذا الاختبار ، وغفور رحيم للذين ينجحون فيه ويسعون لإصلاح أخطائهم . بحثان 1 - التفاوت بين أفراد البشر ومبدأ العدالة : لا شك أنّ بين أفراد البشر طائفة من الاختلافات والفوارق المصطنعة ، التي هي نتيجة المظالم التي يمارسها بعض أفراد البشر ضد الآخرين ، فهناك مثلًا جماعة يمتلكون ثروات هائلة ، وجماعات أخرى تعاني من الفقر المدقع . جماعة يعانون من المرض والعلة بسبب سوء التغذية وندرة الوسائل الصحية ، في حين يحظى أفراد معدودون بقدر كبير من السلامة والعافية ، بسبب توفّر جميع الإمكانيات . إنّ مثل هذه الفوارق والاختلافات : الثروة والفقر ، والعلم والجهل ، والسلامة والمرض ، هي في الأغلب وليدة الاستعمار والاستثمار ، وهي مظاهر مختلفة للعبودية والمظالم الظاهرة والخفية .