الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
92
مختصر الامثل
عن مخالفته ، لتشملكم رحمة اللَّه ولطفه « فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » . وفي الآية الثالثة أبطل سبحانه جميع المعاذير والتحججات وسدّ جميع طرق التملّص والفرار في وجه المشركين ، فقال لهم أوّلًا : لقد أنزلنا هذا الكتاب مع هذه المميزات لكي لا تقولوا : لقد نزلت الكتب السماوية على الطائفتين السابقتين ( اليهود والنصارى ) وكنّا عن دراستها غافلين ، وليس تمرّدنا على أوامر اللَّه إلّالكونها موجودة عند غيرنا من الأمم ، ولم يبلغنا منها شيء : « أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ » . ثم إنّه سبحانه ينقل عنهم - في الآية اللاحقة - نفس ذلك التحجج ولكن بصورة أوسع ، ومقروناً هذه المرّة بنوع أشد من الغرور والصّلف وهو : أنّ القرآن الكريم لو لم ينزل عليهم لكان من الممكن أن يدّعوا أنّهم كانوا أكثر استعداداً من أيّة أمة أخرى لقبول الأمر الإلهي : « أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ » . والآية المتقدّمة كانت تعكس هذا التحجج وهو : أنّ عدم اهتدائنا إنّما هو بسبب غفلتنا وجهلنا بالكتب السماوية ، وهذه الغفلة وهذا الجهل ناشىء عن أنّ هذه الكتب نزلت على الآخرين ، ولم تنزل علينا . أمّا هذه الآية فتعكس صفة الإحساس بالتفوّق والادعاء الفارغ الذي كانوا يدّعونه عن تفوّق العنصر العربي على غيرهم . فإنّ القرآن يقول في معرض الرّد على هذه الإدعاءات أنّ اللَّه سبحانه سدّ عليكم كل سُبل التملّص والفرار ، وأبطل جميع الذرائع والمعاذير ، لأنّ اللَّه آتاكم كل الآيات ، وأقام كل الحجج المقرونة بالهداية الإلهية وبالرحمة الربانية لكم : « فَقَدْ جَاءَكُم بَيّنَةٌ مِّن رَّبّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ » . ومع ذلك « فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بَايَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا » . « صدف » : من « الصَدْف » ويعني الإعراض الشديد - من دون تفكير - عن شيء ، وهو إشارة إلى أنّهم لم يكونوا ليعرضوا عن آيات اللَّه فحسب ، بل كانوا يبتعدون عنها . وفي خاتمة هذه الآية بيّن اللَّه تعالى العقاب الأليم الذي اعدّ لهؤلاء المخاصمين المعاندين الذين يرفضون الحقائق وينكرونها من دون أن يفكّروا فيها ويدرسوها ولو قليلًا ، بل ولا يكتفون برفضها إنّما يعمدون إلى صدّ الآخرين عنها ، ويحولون بينهم وبين سماعها واستيعابها ، بيّن كل ذلك في قوله الموجز والبليغ : « سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ » .