الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

87

مختصر الامثل

بهذه الأمور فكيف بعث أنبياءه للدعوة إلى التوحيد ؟ ! إنّ دعوة الأنبياء أقوى دليل على حرية الإرادة الإنسانية ، واختيار البشر . ثم يقول سبحانه : قل لهم يا محمّد : هل لكم برهان قاطع ومسلم على ما تدّعونه ؟ هاتوه إن كان : « قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا » . ثم يضيف في النهاية : إنّ ما تتبعونه ليس سوى أَوهام وخيالات فجّة : « إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ » . وفي الآية اللاحقة يذكر دليلًا آخر لإبطال ادعاء المشركين ، ويقول : قل إنّ اللَّه أقام براهين جلية ودلائل واضحة وصحيحة على وحدانيته ، وهكذا أقام أحكام الحلال والحرام سواء بواسطة أنبيائه أو بواسطة العقل ، بحيث لم يبق أيّ عذر لمعتذر : « قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ » . وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يدّعي أحدٌ أبداً أنّ اللَّه أمضى - بسكوته - عقائدهم وأعمالهم الباطلة ، وكذلك لا يسعهم قط أن يدّعوا أنّهم كانوا مجبورين ، لأنّهم لو كانوا مجبورين لكان إقامة الدليل والبرهان ، وإرسال الأنبياء وتبليغهم ودعوتهم لغواً ، إنّ إقامة الدليل دليل على حرية الإرادة . ثم يقول في ختام الآية : ولو شاء اللَّه أن يهديكم جميعاً بالجبر لفعل : « فَلَوْ شَاءَ لَهَدَيكُمْ أَجْمَعِينَ » . ولكن في مثل هذه الصورة لم يكن لمثل هذا الإيمان ولا للأعمال التي تصدر في ضوء هذا الإيمان الجبري القسري أيّة قيمة ، إنّما فضيلة الإنسان وتكامله في أن يسلك طريق الهداية والتقوى بقدميه وبإرادته واختياره . وفي الآية التالية - ولكي يتضح بطلان أقوالهم ، ومراعاة لُاسس القضاء والحكم الصحيح - دعا المشركين ليأتوا بشهدائهم المعتبرين لو كان لهم ، لكي يشهدوا لهم بأنّ اللَّه هو الذي حرّم الحيوانات والزروع التي ادعوا تحريمها ، لهذا يقول : « قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذَا » . ثم يضيف قائلًا : إذا كانوا لا يملكون مثل هؤلاء الشهداء المعتبرين ( ولا يملكون حتماً ) بل يكتفون بشهادتهم وادّعائهم أنفسهم فقط ، فلا تشهد معهم ولا تؤيّدهم في دعاويهم : « فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ » . هذا مضافاً إلى أنّ جميع القرائن تشهد بأنّ هذه الأحكام ما هي إلّاأحكام مصطنعة