الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
78
مختصر الامثل
« الشّركاء » هنا هم الأصنام ، فقد كانوا أحياناً يقدمون أبناءهم قرابين لها ، أو كانوا ينذرون أنّهم إذا وهبوا ابناً يذبحونه قرباناً لأصنامهم ، كما جاء في تاريخ عبدة الأصنام القدامى وعليه فإنّ نسبة « التزيين » للأصنام تعود إلى أنّ شدة تعلقهم بأصنامهم وحبّهم لها كان يحدو بهم إلى ارتكاب هذه الجريمة النكراء . ثم يوضّح القرآن أنّ نتيجة تلك الأفعال القبيحة هي أنّ الأصنام وخدّامها ألقوا بالمشركين في مهاوي الهلاك ، وشككوهم في دين اللَّه ، وحرموهم من الوصول إلى الدين الحق : « لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ » . ومع ذلك كله ، فإنّ اللَّه قادر على أن يوقفهم عند حدّهم بالإكراه ، ولكن الإكراه خلاف سنّة اللَّه ، إنّ اللَّه يريد أن يكون عباده أحراراً لكي يمهّد أمامهم طريق التربية والتكامل ، وليس في الإكراه تربية ولا تكامل : « وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ » . وما دام هؤلاء منغمسين في أباطيلهم وخرافاتهم دون أن يدركوا شناعتها ، بل الأدهى من ذلك أنّهم ينسبونها أحياناً إلى اللَّه ، إذن فاتركهم وإتهاماتهم والتفت إلى تربية القلوب المستعدة : « فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ » . وَقَالُوا هذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 138 ) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 139 ) تشير هذه الآيات إلى بعض الأحكام الخرافية لعبدة الأوثان ، والتي تدل على قصر نظرتهم وضيق تفكيرهم ، وتكمل ما مرّ في الآيات السابقة . تذكر في البداية أقوال المشركين بشأن من لهم الحق في نصيب الأصنام من زرع وأنعام ، وتبيّن أنّهم كانوا يرون أنّها محرّمة إلّا على طائفة معينة : « وَقَالُوا هذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَايَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ » . ومرادهم المتولّون أمور الأصنام والمعابد ، والمشركون كانوا يذهبون إلى أنّ لهؤلاء وحدهم الحق في نصيب الأصنام . « الحجر » هو المنع .