الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
76
مختصر الامثل
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 134 ) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 135 ) الآية الأولى تستدل على ما سبق في الآيات التي مرّت بشأن عدم ظلم اللَّه تعالى ، وتؤكد أنّ اللَّه لا حاجة له بشيء وهو عطوف ورحيم ، وعليه لا دافع له على أن يظلم أحداً أبداً ، لأنّ من يظلم لابدّ أن يكون محتاجاً ، أو أن يكون قاسي القلب فظاً : « وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ » كما أنّه لا حاجة له بطاعة البشر ، ولا يخشى من ذنوبهم ، بل إنّه قادر على إزالة كل جماعة بشرية ووضع آخرين مكانها كما فعل بمن سبق تلك الجماعة : « إِن يَشَأَ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مّن ذُرّيَّةٍ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ » . بناءاً على ذلك فهو غني لا حاجة به إلى شيء ، ورحيم ، وقادر على كل شيء ، فلا يمكن إذن أن نتصوّره ظالماً . وإذا أدركنا قدرته التي لا حدود لها يتّضح لنا أنّ ما وعده بشأن يوم القيامة والجزاء سوف يتحقق في موعده بدون أيّ تخلّف : « إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأَتٍ » . كما أنّكم لا تستطيعون أن تخرجوا عن نطاق حكمه ولا أن تهربوا من قبضته العادلة : « وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ » « 1 » . ثم يؤمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بأن يهددهم : « قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » . وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ( 136 )
--> ( 1 ) « معجزين » : من « أعجز » أي جعله عاجزاً ، فالآية تقول : إنّكم لا تستطيعون أن تجعلوا اللَّه عاجزاً عن بعث الناس وتحقيق العدالة ، وبعبارة أخرى : أنتم لا تستطيعون مقاومة قدرة اللَّه .