الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

74

مختصر الامثل

فيواجه التابعون والمتبوعون سؤالًا لا جواب لديهم عليه . تذكّر الآية في البداية بذلك اليوم الذي يجتمع فيه الجن والإنس ، ثم يقال يا أيّها المضلون من الجن لقد أضللتم كثيراً من الناس : « وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِنَ الْإِنسِ » . « الجن » هنا هم الشياطين ، لأنّ كلمة الجن تشمل كل كائن غير مرئي والآية ( 50 ) من سورة الكهف تذكر عن رئيس الشياطين ، إبليس إنّه « كَانَ مِنَ الْجِنِّ » . ويبدو أنّ الشياطين المضلين لا جواب لديهم على هذا السؤال ويطرقون صامتين ، غير أنّ أتباعهم من البشر يقولون : ربّنا ، هؤلاء استفادوا منّا كما إنّنا استفدنا منهم حتى جاء أجلنا : « وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا » . أي كان شياطيننا فرحين بسيطرتهم علينا وكنّا نتبعهم مستسلمين ، أمّا نحن فكنّا مستمتعين بمباهج الحياة ولذائذها غير متقيدين بشيء ولا ملتفتين إلى سرعة زوالها ، لما كان الشياطين يوسوسون في آذاننا ويظهرون الدنيا لهم في صور جميلة جذّابة . إنّ المقصود من كلمة « أجل » هو نهاية العمر لأنّ « الأجل » كثيراً ما استعمل في القرآن بهذا المعنى . غير أنّ اللَّه يخاطب التابعين والمتبوعين الفاسدين والمفسدين جميعاً : « قَالَ النَّارُ مَثْوَيكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ » . وفي الختام تقول الآية : « إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ » فعقابه مبني على حساب دقيق ، وكذلك عفوه ، لأنّه عالم بمن يستحقهما . الآية التالية تشير إلى سنّة إلهية ثابتة بشأن هؤلاء الأشخاص ، وتقرر أنّ هؤلاء الطغاة والظالمين سيكون وضعهم في الآخرة كما كانوا عليه في الدنيا يجر بعضهم بعضاً نحو التهلكة وسوء المصير والانحراف : « وَكَذلِكَ نُوَلّى بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ » وكما ذكرنا في البحوث الخاصة بالمعاد فإنّ يوم القيامة مشهد ردود الفعل في صور مكبرة ، وما يوجد هناك انعكاس عن أعمالنا في هذه الدنيا . يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ( 130 ) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ( 131 ) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 )