الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

72

مختصر الامثل

والرأي السديد ثم التقوى إلى درجة العصمة . . . إنّ هذه الصفات ، وخصوصاً الاستعداد لمقام العصمة لا يعلم بها غير اللَّه ، فما أبعد الفرق بين هذه الشروط وما كان يدور بخلد أولئك . كما إنّ من يخلف رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لابدّ أن تكون له جميع تلك الصفات عدا الوحي والتشريع ، أي أنّه حامي الشرع والشريعة ، والحارس على قوانين الإسلام ، والقائد المادي والمعنوي للناس ، لذلك لابدّ له أن يكون معصوماً عن الخطأ والإثم ، لكي يكون قادراً على أن يوصل الرسالة إلى أهدافها ، وأن يكون قائداً مطاعاً وقدوة يُعتمد عليه . وبناءاً على ذلك ، يكون اختياره من اللَّه أيضاً ، فهو وحده الذي يعلم أين يضع هذا المقام ، فلا يمكن أن يترك ذلك للناس ولا للإنتخابات والشورى . وفي النهاية تشير الآية إلى المصير الذي ينتظر أمثال هؤلاء المجرمين والزعماء الذين يدّعون الباطل ، فتقول : « سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ » « 1 » . كان هؤلاء الأنانيون بمواقفهم العدائية يريدون أن يحافظوا على مراكزهم ، ولكن اللَّه سينزلهم إلى أدنى درجات الصغار والحقارة بحيث إنّهم سيتعذبون بذلك عذاباً روحياً شديداً ، مضافاً إلى أنّهم سيلاقون العذاب الشديد في الآخرة لأنّ سعيهم على طريق الباطل كان شديداً أيضاً . فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ( 125 ) وَهذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 127 ) تعقيباً على الآيات السابقة التي دارت حول المؤمنين الصادقين والكافرين المعاندين تشرح هذه الآية النعم الإلهية الكبيرة التي تنتظر الفريق الأوّل ، والشقاء الذي سيصيب

--> ( 1 ) « الإجرام » : من « جرم » وأصله القطع ، والمجرم هو الذي يقطع العهود وإرتباطه باللَّه بعدم إطاعته ، ولذلك أطلقت كلمة « الجرم » على الإثم والذنب ، في هذا إشارة لطيفة إلى أنّ هناك في ذات الإنسان إتّفاق مع الحق والطهارة والعدالة ، والإجرام هو قطع هذا الاتفاق الفطري الإلهي .