الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

70

مختصر الامثل

وذلك أنّ أبا جهل آذى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فأخبر بذلك حمزة ، وهو على دين قومه ، فغضب وجاء معه قوس ، فضرب بها رأس أبي جهل ، وآمن . وقيل : نزلت في عمار بن ياسر حين آمن ، وأبي جهل . التّفسير ترتبط هذه الآية بالآيات السابقة من حيث كون الآيات السابقة أشارت إلى طائفتين من الناس : المؤمنين المخلصين ، والكافرين المعاندين الذين لا يكتفون بضلالهم ، بل يسعون حثيثاً إلى تضليل الآخرين ، هنا أيضاً يتجسد وضع هاتين الطائفتين من خلال ضرب مثل واضح . يشير المثال إلى طائفة من الناس كانوا من الضالين ، ثم غيّروا مسيرتهم باعتناق الإسلام فهؤلاء أشبه بالميت الذي يحييه اللَّه بإرادته : « أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنهُ » . الإيمان يغيّر الأفراد ويشمل هذا التغيير كل جوانب الحياة ، وتبدو آثاره في كل الحركات والسكنات . ثم تقول الآية عن أمثال هؤلاء : « وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ » . على الرغم من وجود الاختلاف في تفسير هذا « النور » فالظاهر أنّ المقصود ليس القرآن وتعاليم الشرع فحسب ، بل أكثر من ذلك ، حيث يمنح الإيمان باللَّه الإنسان رؤية وإدراكاً جديدين . . . يمنحه رؤية واضحة ويوسّع من آفاق نظرته لتتجاوز إطار حياته المادية وجدران عالم المادة الضيّق إلى عالم أرحب وأوسع . إنّه في ضوء هذا النور يستطيع أن يميّز مسيرة حياته بين الناس ، وأن يصون نفسه ويحافظ عليها ويحصنها ضد ما يقع فيه الآخرون من أخطار الطمع والجشع والأفكار المادية المحدودة ، والوقوف بوجه أهوائه وكبح جماحها . إنّ ما نقرأه في الأحاديث الإسلامية من أنّ « المؤمن ينظر بنور اللَّه » إشارة إلى هذه الحقيقة . ثم تقارن الآية بين هذا الإنسان الحي ، الفعال ، النيّر ، والمؤثر ، بالإنسان العديم الإيمان والمعاند ، فتقول : « كَمَن مَّثَلُهُ فِى الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا » . إنّه لم يبق من وجود هؤلاء الأفراد سوى شبح ، أو قالب ، أو مثال أو تمثال ، لهم هياكل خالية من الروح وأدمغة معطلة عن العمل .