الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

67

مختصر الامثل

باطلًا فلم كثر أتباعه ؟ ! وإذا كان دين الإسلام حقاً ، فما سبب قلّة معتنقيه ؟ ولدفع هذا التوهّم يخاطب اللَّه نبيّه بعد ذكر أحقّية القرآن في الآيات السابقة قائلًا : « وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ » . وفي الجملة التالية يبيّن ذلك وهو أنّهم يتبعون الظنون التي تخالطها الأهواء والأكاذيب ويمتزج بها الخداع والتخمين : « إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ » . فيكون مفهوم الآية الشريفة أنّ الأكثرية لا يمكن أن تكون وحدها الدليل على طريق الحق ، ومن هذا نستنتج أنّه يجب التوجّه إلى اللَّه وحده لمعرفة طريق الحق ، حتى لو كان السائرون في هذا الطريق قلّة في العدد . والدليل على ذلك يرد في الآية التالية التي تؤكد على أنّ اللَّه عليم بكل شيء ولا مكان للخطأ في علمه ، فهو أعرف بطريق الهداية ، كما هو أعرف بالضالين وبالسائرين على طريق الهداية : « إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » . فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ( 118 ) وَمَا لَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ( 119 ) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 ) الآيات السابقة تناولت بأساليب متنوعة حقيقة التوحيد وإثبات بطلان الشرك وعبادة الأصنام . ومن نتائج ذلك أنّ على المسلمين أن يمتنعوا عن أكل لحوم القرابين التي تذبح باسم الأصنام ، بل عليهم أن يأكلوا من لحم ما ذكر اسم اللَّه عليه ، لذلك يبدأ القرآن بالقول : « فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بَايَاتِهِ مُؤْمِنِينَ » . أي إنّ الإيمان ليس مجرّد قول وادّعاء وعقيدة ونظرية ، بل لابدّ أن يظهر على صعيد العمل أيضاً ، فالذي يؤمن باللَّه يأكل من هذه اللحوم فقط . بديهي أنّ حرمة الذبائح التي لم يذكر اسم اللَّه عليها ، هي خلفية أخلاقية ومعنوية وتستهدف تثبيت قواعد التوحيد وعبودية اللَّه الواحد الأحد . الآية التالية تورد هذا الموضوع نفسه بعبارة مغايرة مع مزيد من الاستدلال ، فتقول : لم لا