الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

62

مختصر الامثل

الجزيرة كانت قصيرة لا تدع مجالًا لمثل هذا الاحتمال ، ثم إنّ معلومات اليهود والمسيحيين الذين كانوا يسكنون الحجاز كانت على درجة من التفاهة وتسطير الخرافات بحيث لا يمكن - أصلًا - مقارنتها بما في القرآن ولا بتعاليم الرّسول صلى الله عليه وآله وسنشرح هذا الموضوع - إن شاء اللَّه - عند تفسير الآية ( 103 ) من سورة النحل . ثم تبين الآية واجب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في قبال معاندة المعارضين وحقدهم وإتهاماتهم ، فتقول : « اتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ » . ومن واجبك أيضاً الإعراض عمّا يوجّهه إليك المشركون من إفتراءات : « وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ » . هذا ضرب من التسلية والتقوية المعنوية للنبي صلى الله عليه وآله لكيلا ينتاب عزمه الراسخ الصلب أيّ ضعف في مواجهة أمثال هؤلاء المعارضين . في الآية الأخيرة يكرر القرآن فيها - مرّة أخرى - القول بأنّ اللَّه لا يريد أن يكره المشركين ويجبرهم على الإسلام ، إذ لو أراد ذلك لما كان هناك أيّ مشرك : « وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا » . كما يؤكد القول لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله : إنّك لست مسؤولًا عن أعمال هؤلاء ، لأنّك لم تبعث لإكراههم على الإيمان : « وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا » . ولا من واجبك حملهم على عمل الخير : « وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ » . « الحفيظ » : هو من يراقب أمراً أو شخصاً ليحفظه من أن يصاب بضرر ؛ أمّا « الوكيل » : فهو من يسعى لإحراز النفع لموكّله . إنّ الفكرة التي تسود هذه الآيات تستلفت النظر ، فهي تقول : إنّ الإيمان باللَّه وبتعاليم الإسلام لا يكون عن طريق الإكراه والإجبار ، بل يكون عن طريق المنطق والاستدلال والنفوذ إلى أفكار الناس وأرواحهم ، فالإيمان بالإكراه لا قيمة له ، لأنّ المهم هو أن يدرك الناس الحقيقة فيتقبّلوها بإرادتهم واختيارهم . وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) تناولت الآيات السابقة موضوع قيام تعاليم الإسلام على أساس المنطق ، وقيام دعوته على أساس الاستدلال والإقناع لا الإكراه ، وهذه الآية تواصل نفس التوجيهات فتنهى عن سبّ ما يعبد الآخرون - أي المشركون - لأنّ هذا سوف يدعوهم إلى أن يعمدوا هم أيضاً - ظلماً وعدواناً وجهلًا - إلى توجيه السب إلى ذات اللَّه المقدسة : « وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ » .