الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

6

مختصر الامثل

التي لها خواص غامضة ومجهولة فيقرأونها بغير تمعّن في مضامينها ، مع أنّ القرآن كله مدرسة ودروس ومنهج ويقظة ، ورسالة ووعي . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 ) تبدأ السورة بالحمد للَّه‌والثناء عليه ، ثم تشرع بتوعية الناس على مبدأ التوحيد ، عن طريق خلق العالم الكبير ( السماوات والأرض ) أوّلًا ؛ ثم عن طريق خلق العالم الصغير ( الإنسان ) ثانياً : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ » . اللَّه الذي هو مبدأ الظلمة والنور ، بخلاف ما يعتقده الثنويون ، وهو وحده خالق كل شيء : « وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ » . غير أنّ الكافرين والمشركين ، بدلًا من أن يتعلّموا من هذا النظام الواحد درس التوحيد ، يصطنعون للَّه‌الشريك والشبيه : « ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ » . نلاحظ أنّ القرآن يذكر عقيدة المشركين بعد حرف العطف « ثم » الذي يدل في اللغة العربية على الترتيب والتراخي ، وهذا يدل على أنّ التوحيد كان في أوّل الأمر مبداً فطرياً وعقيدة عامة للبشر ، بعد ذلك حصل الشرك كانحراف عن الأصل الفطري . وروي في تفسير نور الثقلين عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في تفسير هذه الآية قوله : « وكان في هذه الآية ردّ على ثلاثة أصناف منهم لمّا قال : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ » . فكان ردّاً على الدهرية الذين قالوا : إنّ الأشياء لا بدء لها وهي دائمة ، ثم قال : « وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ » فكان ردّاً على الثنوية الذين قالوا : إنّ النور والظلمة هما المدبران ، ثم قال : « ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ » فكان ردّاً على مشركي العرب الذين قالوا : إنّ أوثاننا آلهة » . والآية التالية تلفت نظر الإنسان إلى العالم الصغير ( الإنسان ) فتشير إلى أعجب أمر وهو خلقه من الطين فتقول : « هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ » . صحيح أنّنا ولدنا من أبوينا ، لا من الطين ، ولكن بما أنّ خلق الإنسان الأوّل كان من