الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
58
مختصر الامثل
ثم تركّز الآية من بين مجموع اجزاء الشجرة ، على ثمرة الشجرة وعلى تركيب الثمرة إذا أثمرت ، وكذلك على نضج الثمرة إذا نضجت ، ففيها دلائل واضحة على قدرة اللَّه وحكمته للمؤمنين من الناس : « انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِى ذلِكُمْ لَأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » . ما نقرؤه اليوم في علم النبات عن كيفية طلوع الثمرة ونضجها يكشف لنا عن الأهمية الخاصة التي يوليها القرآن للأثمار ، إذ إنّ ظهور الثمرة في عالم النبات أشبه بولادة الأبناء في عالم الحيوان ، فنطفة الذكر في النبات تخرج من أكياس خاصة بطرق مختلفة ( كالرياح أو الحيوانات ) وتحط على القسم الانثوي في النبات ، وبعد التلقيح والتركيب تتشكل البيضة الملقحة الأولى ، وتحيط بها مواد غذائية مشابهة لتركيبها ، وهذه المواد الغذائية تختلف من حيث التركيب وكذلك من حيث الطعم والخواص الغذائية والطبّية . فقد تكون ثمرة ( مثل العنب والرمان ) فيها مئات من الحبّ ، كل حبّة منها تعتبر جنيناً وبذرة لشجرة أخرى ، ولها تركيب معقّد عجيب . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّ المراحل المتعددة التي تمرّ بها الثمرة منذ تولدها حتى نضجها تثير الانتباه ، لأنّ « المختبرات » الداخلية في الثمرة لا تنفك عن العمل في تغيير تركيبها الكيمياوي إلى أن تصل إلى المرحلة النهائية ويثبت تركيبها الكيمياوي النهائي ، فكل مرحلة من هذه المراحل دليل على عظمة الخالق وقدرته . ولكن لابدّ من القول - بحسب تعبير القرآن - إنّ المؤمنين الذين يمعنون النظر في هذه الأمور هم الذين يرون هذه الحقائق ، وإلّا فعين العناد والمكابرة والإهمال والتساهل لا يمكن أن ترى أدنى حقيقة . وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ( 100 ) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 )