الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
56
مختصر الامثل
هاتان الآيتان تتابعان دلائل التوحيد ومعرفة اللَّه ، وللوصول إلى هذا الهدف يأخذ القرآن بيد الإنسان ويسيح به في آفاق العالم البعيدة وقد يسير به في داخل ذاته ويبيّن له آثار اللَّه في جسمه وروحه ، فيتيح له أن يرى اللَّه في كل مكان . فيبدأ بالقول : « وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ » . أي إنّكم ، على اختلاف ملامحكم وأذواقكم وأفكاركم والتباين الكبير في مختلف جوانب حياتكم ، قد خلقتم من فرد واحد ، وهذا دليل على منتهى عظمة الخالق وقدرته التي أوجدت من المثال الأوّل كل هذه الوجوه المتباينة . ثم يقول : إنّ فريقاً من البشر « مستقر » وفريقاً آخر « مستودع » « فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ » . « المستقر » : أصله من « القُر » ( بضم القاف ) بمعنى البرد ، ويقتضي السكون والتوقف عن الحركة ، فمعنى « مستقر » هو الثابت المكين . و « مستودع » : من « ودع » بمعنى ترك ، كما تستعمل بمعنى غير المستقر ، والوديعة هي التي يجب أن تترك عند من أودعت عنده لتعود إلى صاحبها . يتّضح من هذا الكلام أنّ الآية تعني أنّ الناس بعض « مستقر » أي ثابت ، وبعض « مستودع » أي غير ثابت . يحتمل أن يكون هذان التعبيران إشارة إلى الجزئين الأولين في تركيب نطفة الإنسان ، إنّ النطفة تتركب من جزئين : الأوّل هو « البويضة » من الأنثى ، والثاني هو « الحيمن » أو « المني » من الذكر ، فالبويضة في رحم الأنثى تكاد تكون مستقر ولكن حيمن الذكر حيوان حي يتحرك بسرعة نحوها ، وما أن يصل أوّل حيمن إلى البويضة حتى يمتزج بها و « يخصبها » ويصد ( الحيامن ) الأخرى ، ومن هذين الجزئين تتكون بذرة الإنسان الأولى . وفي ختام الآية يعود فيقول : « قَدْ فَصَّلْنَا الْأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ » . الآية الثانية هي آخر آية في هذه المجموعة التي تكشف لنا عن عجائب عالم الخلق وتهدينا إلى معرفة اللَّه بمعرفة مخلوقاته . في البداية تشير الآية إلى واحدة من أهم نعم اللَّه التي يمكن أن تعتبر النعمة الام وأصل النعم الأخرى ، وهي ظهور النباتات ونموها بفضل النعمة التي نزلت من السماء : « وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً » . وإنّما قال ( من السماء ) لأنّ سماء كل شيء أعلاه ، فكل ما في الأرض من مياه العيون والآبار والأنهار والقنوات وغيرها منشؤها الأمطار من السماء ، وقلّة الأمطار تؤثّر في كمية المياه في تلك المصادر كلها ، وإذا استمر الجفاف جفّت تلك المنابع ، أيضاً .