الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
51
مختصر الامثل
التّفسير في الآيات السابقة مرّت الإشارة إلى مزاعم اليهود الذين أنكروا نزول أي كتاب سماوي على أحد ، وفي هذه الآية يدور الكلام على اشخاص آخرين يقفون على الطرف المعاكس تماماً لأولئك ، فيزعمون كذباً أنّ الوحي ينزل عليهم . وتتناول الآية ثلاث جماعات من هؤلاء بالبحث ، ففي البداية تقول : « وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا » . والجماعة الثانية هم الذين يدّعون النبوّة ونزول الوحي عليهم ، فلا هم أنبياء ، ولا نزل عليهم وحي : « أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ » . والجماعة الثالثة هم الذين أنكروا نبوّة نبي الخاتم صلى الله عليه وآله أو زعموا ساخرين أنّهم يستطيعون أن يأتوا بمثل آيات القرآن ، وهم في ذلك كاذبون ولا قدرة لهم على ذلك : « وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ » . نعم ، هؤلاء كلهم ظالمون ، بل أظلم الظالمين ، فهم ضالون مضلون ، فمن أظلم ممن يدّعي لنفسه القيادة الإلهية وليست لديه صلاحية مثل هذا المقام . ثم تبيّن العقاب الأليم الذي ينتظر أمثال هؤلاء فتقول : « وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ » « 1 » . أي لو أنّك - أيّها النبي - رأيت هؤلاء الظالمين وهم يمرون بشدائد الموت والنزع الأخير ، وملائكة قبض الأرواح مادّين أيديهم نحوهم ويقولون لهم : هيّا أخرجوا أرواحكم ، لأدركت العذاب الذي ينزل بهم . عندئذٍ تخبرهم ملائكة العذاب بأنّهم سينالون اليوم عذاباً مذلّاً لأمرين : الأوّل : إنّهم كذبوا على اللَّه ، والآخر ، إنّهم لم ينصاعوا لآياته : « الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ » . « أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ » تعني في الواقع ضرباً من التحقير تبديه الملائكة نحو هؤلاء الظالمين ، وإلّا فإنّ إخراج الروح ليس من عمل هؤلاء ، بل هو من واجب الملائكة .
--> ( 1 ) « الغمرات » : جمع غمرة ( على وزن ضربة ) ، وأصل الغمر إزالة أثر الشئ ، ثم استعملت للماء الكثير الذي يستر وجه الشئ تماماً ، كما تطلق على الشدائد والصعاب التي تغمر المرء .