الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

36

مختصر الامثل

وتحاصره في ليلة ظلماء الأمواج الهائلة والدوامات المائية ، فإنّ خوفه من ذلك يكون أضعاف ما لو حدث ذلك بالنهار ، في مثل هذه اللحظات ينسى الإنسان كل شيء ولا يعود يتذكّر شيئاً سوى نفسه ، والنور الذي يسطع في أعماقه ويجذبه نحو المبدأ قادر على إزالة ما يعتوره من بلاء وضيق ، هذه الحالات تفتح نوافذ على عالم التوحيد ومعرفة اللَّه ، لذلك يقول في أمثال هذه الحالات : « تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً » . وتعقدون - وأنتم في تلك الحالة - عهداً وميثاقاً على أنفسكم ، وتقولون : « لَّئِنْ أَنْجنَا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ » . ثم تأمر الآية النبي صلى الله عليه وآله أن يخبرهم أنّ اللَّه سوف ينجيهم من هذه ومن غيرها من الأخطار ، وقد فعل ذلك من قبل مراراً ، ولكنهم بعد زوال الخطر عنهم يعودون إلى طريق الشرك والكفر : « قُلِ اللَّهُ يُنَجّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ » . « الكرب » : في الأصل بمعنى حفر الأرض وقلبها ، وكذلك تعني العقدة المحكمة الشد في حبل الدلو ، ثم أطلقت بعد ذلك على الغم والهم والحزن التي تقلب قلب الإنسان وتثقل عليه كالعقدة . قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ( 65 ) ألوان العذاب : في هذه الآية تركيز على التهديد بعذاب اللَّه وعقابه ، من أجل إكمال طرق التربية والتهذيب ، أي أنّ اللَّه وهو أرحم الراحمين وملجأ اللاجئين ، قهار منتقم مقابل الطغاة العصاة ، ففي هذه الآية يؤمر الرسول صلى الله عليه وآله بتهديد المجرمين بثلاثة أنواع من العقاب : عذاب من فوق ، وعذاب من تحت ، وعقاب يتمثل في اختلاف الكلمة والحرب وإراقة الدماء : « قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ » . إنّ مسألة اختلاف الكلمة والتفرّق في المجتمع لا تقل خطورتها عن العذاب السماوي والصواعق والزلازل ، وهو كذلك ، بل قد يكون الخراب الناشئ من اختلاف الكلمة والتفرّق أحياناً أشدّ وطأة ودماراً من الزلازل والصواعق ، كثيراً ما نلاحظ أنّ دولًا عامرة يصيبها الفناء بسبب النفاق والتفرقة ، وهذه الكلمة تحذير لجميع مسلمي العالم .