الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

34

مختصر الامثل

هو لحظة بدء حياتها ، وما من أحد غير اللَّه يعلم بنظام هذا الموت وهذه الحياة . إنّ لهذا الموضوع أثراً « فلسفياً » وآخر « تربوياً » : أمّا أثره الفلسفي ، فينفي رأي الذين يحصرون علم اللَّه بالكليات ، ويعتقدون أنّه لا يعلم عن الجزئيات شيئاً ، وفي الآية هنا تأكيد على أنّ اللَّه يعلم الكليات والجزئيات كلها . أمّا أثره التربوي فواضح ، لأنّ الإيمان بهذا العلم الواسع للَّه‌يقول للإنسان : إنّ جميع أسرار وجودك ، وأعمالك ، وأقوالك ونيّاتك ، وأفكارك كلها بيّنة أمام اللَّه ، فإذا آمن الإنسان حقاً بهذا ، فكيف يمكن له أن لا يكون رقيباً على نفسه ويسيطر على أعماله وأقواله ونيّاته . وفي ختام الآية يقول تعالى : « وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ » . في الآية الثانية ينتقل الكلام إلى إحاطة علم اللَّه بأعمال الإنسان وهو الهدف الأصلي وإلى بيان قدرة اللَّه القاهرة ، لكي يستنتج الناس من هذا البحث الدروس التربوية اللازمة فتبدأ بالقول بأنّ اللَّه هو الذي يقبض أرواحكم في الليل ، ويعلم ما تعملون في النهار : « وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ » . « توفّي » : تعني استرجع ، فالقول بأنّ النوم هو استرجاع للروح يعود إلى أنّ النوم أخو الموت ، كما هو معروف ، فالموت تعطيل كامل لجهاز الدماغ ، وانقطاع تام في ارتباط الروح بالجسد ، بينما النوم تعطيل قسم من جهاز الدماغ وضعف في هذا الارتباط ، وعليه فالنوم مرحلة صغيرة من مراحل الموت . « جرحتم » : من « جرح » وهي هنا بمعنى الإكتساب ، أي أنّكم تعيشون تحت ظل قدرة اللَّه وعلمه ليلًا ونهاراً ، وانّ الذي يعلم بإنفلاق الحبّة ونموها في باطن الأرض ، ويعلم بسقوط أوراق الأشجار وموتها في أيّ مكان وزمان ، يعلم بأعمالكم أيضاً . ثم يقول : إنّ نظام النوم واليقظة هذا يتكرر ، فأنتم تنامون في الليل « ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى » . أي ثم يوقظكم في النهار . . وتستمر هذه العملية حتى نهاية حياتكم . ويبيّن القرآن النتيجة النهائية لهذا المبحث بالشكل التالي : « ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ » . وفي الآية الثالثة توضيح أكثر لإحاطة علم اللَّه بأعمال عباده وحفظها بكل دقة ليوم الحساب ، بعد أن يسجلها مراقبون مرسلون لإحصاء أعمالهم : « وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً » .