الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
29
مختصر الامثل
التّفسير مكافحة التفكير الطبقي : في هذه الآية إشارة إلى واحد من احتجاجات المشركين ، وهو أنّهم كانوا يريدون من النّبي صلى الله عليه وآله أن يقرّ ببعض الامتيازات لطبقة الأغنياء ويفضّلهم على طبقة الفقراء ، إذ كانوا يرون في جلوسهم مع الفقراء من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله منقصة لهم أيّ منقصة ! مع أنّ الإسلام كان قد جاء للقضاء على مثل هذه الامتيازات الزائفة الجوفاء ، كانوا يصرّون على هذا الطلب في طرد أولئك عنه ، غير أنّ القرآن ردّ هذا الطلب مستنداً إلى أدلة حيّة ، فيقول : « وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ وَالْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » « 1 » . في الحقيقة كان هؤلاء يستندون في طلبهم ذاك إلى سنّة قديمة خاطئة تقيّم المرء على أساس ثروته ، وكانوا يعتقدون أنّ المعايير الطبقية القائمة على أساس الثروة يجب أن تبقى محفوظة ، ويرفضون كل دعوة تستهدف إلغاء هذه القيم والمعايير . ثم تقول الآية : إنّه ليس ثمّة ما يدعو إلى إبعاد هؤلاء المؤمنين عنك ، لأنّ حسابهم ليس عليك ، ولا حسابك عليهم : « مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ » . ولكنّك مع ذلك إذا فعلت تكون ظالماً : « فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ » . والمقصود من « الحساب » هنا هو حساب الأعمال . إنّ المشركين كانوا يتهمون أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الفقراء بالابتعاد عن اللَّه بسبب فقرهم ، زاعمين أنّهم لو كانت أعمالهم مقبولة عند اللَّه لزمه الترفيه والتوسعة عليهم في معيشتهم . فيرد القرآن على ذلك مبيّناً أنّنا حتى لو فرضنا أنّهم كذلك ، فإنّ حسابهم على اللَّه ، ما دام هؤلاء قد آمنوا وأصبحوا في صفوف المسلمين ، فلا يجوز طردهم بأيّ ثمن ، وبهذا يقف في وجه إحتجاج أشراف قريش . إمتياز كبير للإسلام : إنّنا نعلم أنّ دائرة صلاحيات رجال الدين المسيحيين المعاصرين قد اتسعت إتساعاً مضحكاً بحيث إنّهم أعطوا أنفسهم حق غفران الذنوب ، فبإمكانهم طرد الأشخاص وتكفيرهم أو قبولهم لأتفه الأمور . إلّاأنّ القرآن ، في هذه الآية وفي آيات أخرى ينفي صراحة أن يكون لأحد الحق ، بل ولا لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله نفسه في أن يطرد أحداً أظهر إيمانه ولم يفعل ما يوجب إخراجه من الإسلام ، وأنّ غفران الذنوب والحساب بيد اللَّه وحده ، ولا يحق لأحد التدخل في هذا أبداً .
--> ( 1 ) معنى « الوجه » في اللغة معروف ، ولكنّ الكلمة قد تعني « الذات » كما في هذه الآية .